روى الطبري (19/339)مصدر غير محدد١٩/٣٣٩ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: {قَالَ} فرعون لموسى لما انقطعت حجته وبطلت مغالطاته وظهر صدق موسى أمام الملأ: {لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِي} تعبده أو تدعو إلى عبادته، {لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} أي لأحبسنك في السجن مع من حبستهم في غياهب الأرض؛ وكان سجن فرعون عذاباً فظيعاً؛ كان يحفر في الأرض حفراً عميقة مظلمة يطرح فيها المغضوب عليهم فرادى حتى يموتوا نتناً وظلمة ووحشة.
قال ابن كثير (6/143)مصدر غير محدد٦/١٤٣: "لما أقام موسى عليه السلام الحجة القاطعة الباهرة على فرعون، لم يكن لفرعون جواب ولا حيلة إلا استخدام لغة الجبابرة واللجوء إلى القوة والبطش والإرهاب؛ فهدده بالسجن، ظناً منه أن السجن يرهب موسى أو يكسر عزيمته؛ وهذه حيلة كل مغلوب في ميدان البرهان".
بين القرطبي (13/107)مصدر غير محدد١٣/١٠٧: قال فرعون {لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} ولم يقل "لأسجننك"؛ ليدل على أن له سجناً معلوماً مشهوراً بالفظاعة والهول مليئاً بالمعذبين، أي لألحقنك بتلك الفئة البائسة لتذوق ما يذوقون.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَالَ}: فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره هو (فرعون).
{اتَّخَذْتَ}: فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعل. والاتخاذ: الافتعال من الأخذ، ويفيد الاختيار والاعتماد.
{إِلَٰهًا}: مفعول به أول منصوب بالفتحة؛ نكرة تدل على العموم (أي إله كائناً من كان).
{غَيْرِي}: نعت لـ "إلهاً" منصوب بالفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء مضاف إليه (أو مفعول به ثان لاتخذت).
{لَأَجْعَلَنَّكَ}: اللام واقعة في جواب القسم المحذوف المقدر، أجعلن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل مستتر تقديره أنا، والنون للتوكيد، والكاف مفعول به أول.
{مِنَ الْمَسْجُونِينَ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف مفعول به ثان لـ "أجعلن"، والياء علامة الجمع؛ والمسجونين جمع مسجون، اسم مفعول من سجن يسجن حبساً وتضييقاً. والجملة جواب القسم لا محل لها، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
السقوط النهائي في مستنقع الإرهاب والقمع: التدرج الطبيعي لخطاب الباطل؛ فلما استنفد فرعون سائر أسلحة الحوار المنطقي (المنّ، والتهم الجنائية، والتشكيك، والسخرية، والرمي بالجنون)، ولم يزده ذلك إلا انكساراً أمام نور الحجة، سقط القناع وظهر الوجه القبيح للاستبداد: التهديد بالحديد والنار والسجون.
التمهيد لطلب الآية المعجزة: هذا التهديد بالسجن لم يرهب موسى، بل قابله بطلب إظهار المعجزة الحسية القاهرة في الآية التالية: {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ}، لينتقل الصراع إلى طور المعجزات الخارقة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
عجز القوة العسكرية أمام قوة الفكرة الحرة:
محاكمة تاريخية تفضح طبيعة الاستبداد؛ اللجوء إلى القمع والسجون هو اعتراف رسمي وعلني بالإفلاس الفكري والعجز عن منازلة الحجة بالحجة.
السجن قد يقيد الجسد ويعذب اللحم، لكنه عاجز تماماً عن سجن الحقيقة أو قتل الفكرة المؤمنة في قلوب أصحابها؛ فالحق طليق لا تحده جدران ولا تكبله قيود.
جنون التأله الفرعوني وحظر التفكير:
قوله {لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِي} يبرز طبيعة الأنظمة الشمولية المتطرفة التي لا تكتفي بالسيطرة على أموال الناس وأجسادهم، بل تريد تأميم ضمائرهم وفرض الوصاية على قلوبهم وعقائدهم، ومصادرة أبسط حقوق الإنسان في اختيار إلهه ودينه.
توكيدات القسم والتهديد: أكد وعيده بالقسم المحذوف الموطأ له باللام، وبنون التوكيد الثقيلة في {لَأَجْعَلَنَّكَ}؛ لإرهاب موسى وزلزلة ثباته.
العدول البلاغي في {مِنَ الْمَسْجُونِينَ}: لم يقل "لأسجننك"، بل قال: {مِنَ الْمَسْجُونِينَ}؛ لاستحضار المشهد المرعب للسجون المظلمة وما فيها من نكال وعذاب وقهر، ولإشعاره بأنه سيكون مجرد رقم منسي بين آلاف المعذبين.
تدبر ثبات أهل الحق: كليم الله موسى لم يرتعد ولم يطلب الأمان، بل ظل شامخاً برغم قربه من سيافي فرعون وجلاديه؛ لأن قلبه ممتلئ بمعية ملك الملوك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توطين النفس على تحمل تبعات الصدع بالحق: أن يدرك الدعاة والمصلحون أن طريق الأنبياء محفوف بالمكاره والابتلاءات والسجون، وأن ذلك ثمن الصدع بالحق في وجه الطواغيت.
نصرة معتقلي الرأي والمظلومين: التضامن مع المسجونين ظلماً في كل زمان ومكان، والدعاء لهم بالفرج، والعمل على كشف مظالم السجون وفضح ممارسات الجلادين.
الثقة بأن القيد إلى زوال: اليقين بأن السجان زائل وسجنه هالك، وأن العاقبة للمتقين، كما ذهب فرعون وجنوده وسجونه وبقي ذكر موسى خالداً في العالمين.