إيداع الوحي في قلب النبي صلى الله عليه وسلم وتحديد وظيفة النذارة:
روى الطبري (19/433)مصدر غير محدد١٩/٤٣٣ عن قتادة ومجاهد وابن عباس: {عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ} قالوا: نزل به جبريل فأودعه في قلبك يا محمد ووعاه فؤادك وعياً ثابتاً لا تنساه أبداً، لتنذر به الإنس والجن وتحذرهم بأس الله وعذابه، وتكون من زمرة الرسل المنذرين قبلك.
قال ابن كثير (6/165)مصدر غير محدد٦/١٦٥: "أي نزل به جبريل على قلبك طاهراً نقياً لا تشوبه شائبة، قد وعيته وحفظته، كما قال تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ}؛ والغاية من هذا الإنزال: {لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ} تنذر به من خالفه وتكذب به، وتبشر به من صدقه واتبعه".
قال القرطبي (13/129)مصدر غير محدد١٣/١٢٩: "خص القلب بالذكر لأنه موضع العقل والعلم والتمييز والوعي الحقيقي؛ فإذا استقر الوحي في القلب تمكن ولم يمحَ".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{عَلَىٰ قَلْبِكَ}: جار ومجرور متعلق بالفعل {نَزَلَ}، والكاف ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه؛ والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم.
{لِتَكُونَ}: اللام لام التعليل؛ {تَكُونَ}: فعل مضارع ناقص منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، واسمه ضمير مستتر تقديره (أنت).
{مِنَ}: حرف جر.
{الْمُنذِرِينَ}: اسم مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم، والجار والمجرور في محل نصب خبر {تَكُونَ}؛ والمصدر المؤول {لِتَكُونَ} متعلق بالفعل {نَزَلَ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الارتقاء بالمتلقي وتحديد المقصد الأساسي:
من نزل به؟ {الرُّوحُ الْأَمِينُ}.
أين نزل؟ {عَلَىٰ قَلْبِكَ}.
ولأي غاية؟ {لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ}.
فنظم الآيات يحيط بوعاء الوحي والغاية العليا من بعثة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
لماذا نزل على "القلب" ولم يقل "على سمعك" أو "عليك"؟
محاكمة نفسية وإيمانية عميقة: السمع قد يطرأ عليه النسيان أو السهو العابر؛ أما استقرار الوحي في "القلب" فيعني أنه امتزج بروحه ووجدانه وصار سجية راسخة وفهماً حياً وبصيرة متقدة لا يتطرق إليها النسيان؛ فالقلب هو مستقر الإيمان وسلطان الأعضاء؛ كما أن في ذلك إشارة إلى أن القرآن رسالة تخاطب القلوب الحية وتغير البواطن قبل الظواهر.