روى الطبري (19/338)مصدر غير محدد١٩/٣٣٨ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد: {قَالَ} فرعون مخاطباً ملأه وقومه بعد أن بهت وانقطعت حجته: {إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ}؛ أي هذا الرجل الذي يزعم أنه مبعوث إليكم لا يدري ما يخرج من رأسه، ولا يعي ما يقول؛ فإنه يزعم أن لكم رباً سواي وخالقاً لآبائكم الأولين! فاحذروه ولا تصدقوه فإنه مخبول العقل!
قال ابن كثير (6/142)مصدر غير محدد٦/١٤٢: "لما ألجمه موسى بالحجة البيضاء التي لا محيد عنها، عدل فرعون إلى الشتم والرمي بالجنون، وهذه هي عادة السفهاء المفلسين عند قيام الدليل؛ كما قال تعالى: {كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ}".
بين القرطبي (13/106)مصدر غير محدد١٣/١٠٦: أضاف فرعون الرسول إليهم استهزاءً {رَسُولَكُمُ}؛ أي رسولكم أنتم لا رسولي أنا، وأكد اتهامه بالجنون بـ "إن" واللام المزحلقة محاولاً ترويج هذه الفرية لإسقاط مصداقية موسى في عيون الحاضرين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَالَ}: فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره هو (فرعون).
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{رَسُولَكُمُ}: رسول اسم إن منصوب بالفتحة وهو مضاف، والكاف مضاف إليه والميم للجمع.
{الَّذِي}: اسم موصول نعت لـ "رسولكم" مبني على السكون في محل نصب.
{أُرْسِلَ}: فعل ماض مبني لما لم يُسم فاعله مبني على الفتح، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الرسول.
{إِلَيْكُمْ}: جار ومجرور متعلقان بـ "أرسل"، والجملة صلة الموصول.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانحدار من السخرية إلى السباب والتشويه: سلم الهزيمة النفسية لفرعون؛ بدأ بالمنّ ({أَلَمْ نُرَبِّكَ})، ثم فتح الملف الجنائي ({وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ})، ثم السؤال المتعنت ({وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ})، ثم السخرية مع الحاشية ({أَلَا تَسْتَمِعُونَ})، فلما أفحمه موسى ببرهان الآباء لجأ إلى السلاح الأخير للعاجزين: الشتم والرمي بالجنون.
التمهيد لرد موسى الحكيم الهادئ: لم يغضب موسى لشخصه ولم يرد الشتيمة بمثلها، بل ارتقى بالبرهان إلى آفاق أوسع في الآية التالية: {قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفكيك تهمة "الجنون" الموجهة للمصلحين:
التاريخ يعيد نفسه؛ كل مصلح وثائر على التقاليد الشركية والأنظمة الفاسدة يُتهم بالجنون أو الخبال من قِبل المستفيدين من الوضع القائم؛ لأن كلام المصلح يهدد منظومتهم المصلحية المستقرة.
إن كلام موسى في غاية الإحكام المنطقي والعقلي والفصاحة؛ فرميه بالجنون ليس إلا محاولة بائسة لإنكار الواقع البديهي، تماماً كمن ينكر ضوء الشمس في رابعة النهار ويدعي أن من يراها مجنون.
تملص فرعون من الرسالة بعبارة {رَسُولَكُمُ}:
تعبير يعكس كبرياء المستبد الذي يرفض الاعتراف بأنه مشمول بالخطاب أو محتاج للنصيحة، بل يجعل نفسه فوق التكليف وفوق سائر البشر.
التهكم في قوله {رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ}: تهكم لاذع بالحاشية وبالرسول معاً؛ لإيهامهم بأن هذا المبعوث لا يليق بمقام الملك، بل هو مبعوث للرعاع والسفهاء.
المبالغة في التوكيد {إِنَّ... لَمَجْنُونٌ}: التوكيد بـ "إن" واللام للتغطية على رجفة الشك الداخلي في نفس فرعون؛ فكلما كان الكذب مفضوحاً احتاج صاحبه إلى المبالغة في توكيده بالصراخ.
تدبر أدب النبوة: لم يقل موسى: بل أنت المجنون، بل قابل التهمة بعرض برهان عقلي يثبت رجاحة عقله وسفاهة عقل فرعون.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الصبر على الطعن في العقل والأهلية: أن يعلم الداعية أن أعداء الدين سيصفونه بالرجعية، والتخلف، والتطرف، والجنون؛ فتلك ضريبة حمل أمانة الحق، فليصبر كما صبر الرسل.
الترفع عن الرد على الشتائم الشخصية: ألا يضيع المسلم وقته في الدفاع عن ذاته وشخصه إذا طُعن فيه، بل يظل متمسكاً بالدفاع عن رسالته ومبادئه.
الثقة برجاحة العقل الإيماني: اليقين بأن الإيمان بالله والعمل بالقرآن هو عين العقل والحكمة، وأن الكفر والتمرد على الخالق هو عين السفه والجنون الحقيقي.