أخرج الطبري في "جامع البيان" (19/410)جامع البيانالطبري١٩/٤١٠ بسنده عن قتادة ومجاهد في قوله تعالى: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ}، قال: لما قال مشركو قريش إن هذا القرآن مما تتنزل به الشياطين وتلقيه على محمد كصنيع الكهنة بسجعهم وتخاليطهم، كذبهم الله تعالى ونزه وحيه وكلامه، مبيناً أن الشياطين بمعزل عن هذا التنزيل المجيد، وأنهم لا يقدرون عليه ولا يتأتى لهم بحال.
وروى ابن أبي حاتم في تفسيره (8/2753)مصدر غير محدد٨/٢٧٥٣ عن السدي والحسن البصري: أن المشركين لما بهتوا النبي ﷺ وقالوا: إنما يأتيه رئي من الجن، أنزل الله هذه الآيات تنزيهاً للقرآن عن وساوس مردة الجن والشياطين وتبرئة للرسول ﷺ.
وذكر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (6/168)تفسير القرآن العظيمابن كثير٦/١٦٨: "لما ذكر تعالى جلالة كتابه ونزوله بالروح الأمين جبريل عليه السلام على قلب رسوله محمد ﷺ، نزهه وبرأه من أن يكون من إلقاء الشياطين كعادة الكهان؛ فإن الشياطين إنما يتنزلون على من يشبههم من أهل الفجور والأكاذيب".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{تَنَزَّلَتْ}: أصله تتنزل، حُذفت إحدى التاءين للتخفيف، وبناء "تفعّل" يدل على التكلف ومحاولة التدريج والتكرار؛ أي ما تكلفت الشياطين الهبوط به ولا نزلوا به نزولاً البتة.
{الشَّيَاطِينُ}: جمع شيطان، من "شطن" إذا بعد عن الحق والخير، أو من "شاط" إذا احترق واضطرم غضباً وفساداً، والمراد مردة الجن وعصاتهم.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{وَمَا}: الواو عاطفة على ما تقدم من وصف القرآن وعلو شأنه، و"ما" نافية لا عمل لها.
{تَنَزَّلَتْ}: فعل ماض مبني على الفتح، والتاء للتأنيث.
{بِهِ}: جار ومجرور متعلق بـ {تَنَزَّلَتْ}، والضمير يعود على القرآن العظيم.
{الشَّيَاطِينُ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة والتناظر بين الملك والشيطان:
لما أثبت في الآيات السابقة (193-194) نزول القرآن بواسطة {الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ} وهو أكرم الملائكة وأعظمهم طهارة وقوة وصدقاً، قابل ذلك بنفي أن يكون للشياطين الذين هم أخبث الخلق وأشدهم كذباً وفجوراً أي حظ أو مدخل في تنزيله.
وهذا النظم يسد منافذ الإلباس ويدحض افتراء الكفار الذين زعموا أن النبي كاهن يستمع إلى الشياطين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
رد شبهة الكهانة واستراق السمع:
محاكمة عقلية بين طبيعة القرآن وطبيعة الشياطين: الشياطين مجبولون على الفساد والظلم وإغواء بني آدم وحثهم على الفواحش والشرك والعدوان، والقرآن جاء بالأمر بالعدل والإحسان ومكارم الأخلاق وإخلاص العبادة لله وحده وزجر العباد عن المعاصي. فالعقل السليم يقضي بالضرورة باستحالة أن يأتي الشيطان بما ينقض بنيانه ويهدم ملكه ويدعو إلى رجمه ولعنه وإفراد الله بالتوحيد.
قوله {تَنَزَّلَتْ بِهِ} فيه إشارة إلى عظمة المحمول وثقله؛ فالقرآن قول ثقيل لا تقوى الأرواح الخبيثة على مسه أو تدبيره.
نفي الفعل بصيغة الماضي يدل على انقطاع طمعهم فيه أصلاً وأبداً.
تدبر علو القرآن: القرآن كلام رب العالمين محاط بحفظ الملائكة، طاهر لا تدنسه شبهات الخبثاء وأوهامهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحصين الوحي ومفارقة سبل الباطل:
على الداعية أن يبرز نقاء رسالته ومصدرها الرباني، مبطلاً كل تشكيك يثيره الخصوم.
تربية القلب على اليقين التام بقدسية كتاب الله وحفظه، فلا يروج على المسلم شبه المشككين ومحاولاتهم رد الإعجاز النبوي إلى تهويمات نفسية أو استلهامات شيطانية.