روى الطبري (19/379)مصدر غير محدد١٩/٣٧٩ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا} أي ارزقني فهماً في الدين وعلماً بأحكامك ومعرفةً بك وفصلاً في القضاء وتدبير أمر أمتي؛ {وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} أي اجمع بيني وبين إخواني من النبيين والصالحين في المنزلة والجنة في الدار الآخرة.
قال ابن كثير (6/153)مصدر غير محدد٦/١٥٣: "يسأل ربه عز وجل أن يرزقه حكماً؛ قال ابن عباس: هو العلم، وقال عكرمة: هو اللب، وقال السدي: هو النبوة؛ {وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} أي اجعلني مع الصالحين في الدنيا والآخرة؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عند احتضاره: 'اللَّهُمَّ فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى'".
قال ابن القيم (مدارج السالكين 1/450): "الحكم هو كمال القوة العلمية بالإصابة ومعرفة الحق والعمل به، واللحوق بالصالحين هو كمال القوة العملية بحسن الاقتداء ومرافقة أهل التوحيد في أعلى الدرجات".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{رَبِّ}: منادى منصوب بحرف نداء محذوف، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف ورعاية النداء الخاشع، والياء المحذوفة مضاف إليه.
{هَبْ}: فعل دعاء وأمر وتضرع مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره (أنت).
{وَأَلْحِقْنِي}: الواو عاطفة، {أَلْحِقْ}: فعل دعاء مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره (أنت)، والنون للوقاية والياء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به.
{بِالصَّالِحِينَ}: الباء حرف جر، {الصَّالِحِينَ}: اسم مجرور بالباء وعلامة جره الياء لأنه جمع مذكر سالم؛ والجار والمجرور متعلق بالفعل {أَلْحِقْ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من المناظرة والثناء إلى الضراعة والمناجاة:
بعد أن فرغ الخليل من إقامة الحجة على أبيه وقومه وتجريد صفات الكمال لله رب العالمين، تحول بكليته من مقام مجادلة الخلق إلى مقام مناجاة الخالق والدعاء الخاشع؛ تعليماً للأمة أن كمال الداعية لا يقف عند إفحام الخصوم بالجدل، بل يثمر انكساراً وافتقاراً ودعاءً بالثبات وحسن الخاتمة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
كيف يسأل الخليل اللحوق بالصالحين وهو من ساداتهم وأئمتهم؟
الجواب: هذا السؤال من الخليل يدل على كمال التواضع وهضم النفس، ولأن العاقل مهما بلغ من الإمامة فإنه يخشى مكر الله وسوء الخاتمة، فيسأل ربه أن يثبته على الصلاح حتى يقبضه ويلحقه بسلفه من النبيين؛ وفيه إشارة إلى أن الصلاح هو غاية المنى وشرف الأولياء، كما قال تعالى: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا}.