روى الطبري (19/401)مصدر غير محدد١٩/٤٠١ عن قتادة ومجاهد: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ} أي إن فيما فعلنا بنوح وقومه من نصرة نبيه وإنجائه في السفينة وإغراق مكذبيه بالطوفان لدلالة عظيمة وعبرة بينة للمعتبرين على قدرة الله وصدق رسله، وما كان أكثر قوم نوح بمؤمنين ولا مصدقين رغم طول اللبث وتتابع الآيات.
قال ابن كثير (6/157)مصدر غير محدد٦/١٥٧: "أي إن في هذه القصة لآية باهرة وعظة قاطعة تدل على نصرة الله لرسله وخذلانه لأعدائه؛ ومع هذه المواعظ ما آمن أكثر الناس في كل زمان ومكان".
قال السعدي (ص 596)مصدر غير محدد٥٩٦: "تكرار هذه الآية الكريمة يقرر في القلوب أن الحجة قد قامت واستنارت، وأن العجب ليس من هلاك من هلك، بل العجب من ضلال الأكثرين مع وضوح النور".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ}: إعرابها متطابق مع إعراب الآيتين (67 و103)؛ الجار والمجرور خبر إن مقدم، و{لَآيَةً} اسمها المؤخر واللام مزحلقة، والواو حالية، وما نافية، وكان واسمها وخبرها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ترسيخ الإيقاع الوعظي الراتب في السورة:
تتكرر هذه اللازمة للمرة الثالثة في سورة الشعراء (بعد قصة موسى، وقصة إبراهيم، وهنا بعد قصة نوح)؛ لتؤكد أن قانون الصراع واحد، وأن العبرة المستخلصة من هلاك الطغاة ونجاة الرسل قانون مطرد لا يتخلف، مع التأكيد على قلة أهل الإيمان في كل أمة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الجواب: لأن الإيمان تصديق وانقياد واختيار، والقلوب المعاندة قد ترى الحق ساطعاً كالشمس لكنها تأباه كبراً وحسداً واتباعاً للشهوات؛ فالخلل ليس في وضوح الدليل، بل في قابلية المحل وعمى البصائر؛ ولذلك قال: {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ}.
اسم الإشارة البعيد {ذَٰلِكَ}: للتعظيم والتفخيم لقصة نوح وما انطوت عليه من عجائب القدرة واللطف والانتقام.
تنكير {لَآيَةً}: للتعظيم والتهويل؛ أي آية عظيمة لا يحيط بكنهها الوصف.
تدبر تسلية خاتم الأنبياء: يستمع النبي محمد صلى الله عليه وسلم لهذه الآية فيعلم أن تكذيب قريش له ليس بدعاً في التاريخ، وأن نوحاً لبث ألف سنة إلا خمسين عاماً وما آمن معه إلا قليل، فيمتلئ قلبه صبراً ويقيناً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاعتبار بمصارع الغابرين: قصص القرآن ليست للتسلية بل هي "آيات" حية ومرايا تعكس مصائر الأمم وسنن الله التي لا تحابي أحداً.
عدم الاستيحاش من قلة السالكين: ما دام القرآن يقرر أن أكثر الأمم لم يكونوا مؤمنين، فلا يحزن المؤمن إن رأى أهل الباطل أكثر عدداً وضجيجاً؛ فالعبرة بالنجاة في سفينة الحق.