أخرج الطبري (19/414)مصدر غير محدد١٩/٤١٤ في قراءة الآية: قرأ نافع وابن عامر: {فَتَوَكَّلْ} بالفاء، تفريعاً على ما تقدم من البراءة من أعمالهم وعصيانهم؛ أي إذا تبرأت منهم فتوكل على الله وحده. وقرأ الباقون: {وَتَوَكَّلْ} بالواو عطفاً على الأوامر السابقة.
وقال ابن كثير (6/170)مصدر غير محدد٦/١٧٠: "أي: فوض أمورك في جميع مساعيك إلى الله العزيز الرحيم؛ فإنه يعصمك ويؤيدك وينصرك ويظفرك، وهو العزيز الذي لا يرام جنابه، الرحيم بأوليائه ورسله".
وقال السعدي في "تيسير الكريم الرحمن" (ص 599)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٥٩٩: "التوكل هو تفويض الأمر إلى الله والاستعانة به مع الثقة بكفايته؛ فقرن أمره بالتوكل باسميه العزيز الذي يقهر الأعداء، والرحيم الذي يفيض على أوليائه ألوان الرحمة والتوفيق".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{تَوَكَّلْ}: التوكل اعتماد القلب على الله مع الأخذ بالأسباب المشروعة، وبناء "تفعّل" يدل على تجديد هذا التوكل والاعتماد في كل نازلة.
{الْعَزِيزِ}: القوي القاهر الغالب الذي لا يغالبه شيء، فيمنعك من كيد أعدائك.
{الرَّحِيمِ}: ذو الرحمة الواسعة الواصلة الذي يحوطك بعنايته ولطفه ويتقبل طاعاتك.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{وَتَوَكَّلْ}: الواو عاطفة (أو الفاء تفريعية بحسب القراءة)، {تَوَكَّلْ} فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت.
{عَلَى الْعَزِيزِ}: جار ومجرور متعلق بـ {تَوَكَّلْ}.
{الرَّحِيمِ}: نعت أول لـ {الْعَزِيزِ} مخفوض وعلامة خفضه الكسرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
اللجوء إلى الركن الشديد بعد البراءة من العشيرة:
لما أمر بمفاصلة الأقربين والبراءة من عصيانهم: {فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ}، وكان مفارقة الأهل والعشيرة أمراً يورث الوحشة وتوقع العداوة، أمره فوراً بالاستناد إلى القوة المطلقة التي لا تغلب: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ}.
فمن خسر عشيرته في الله عوضه الله بالاعتصام بجنابه، وهو حسبه وكافيه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الجواب: لأن الداعية عند مواجهة أعدائه يحتاج إلى عزة الله وقهره ليدفع عنه مكرهم؛ ويحتاج إلى رحمته سبحانه ليثبت قلبه ويشرح صدره ويصبره على لأواء الطريق؛ فاقتضى المقام ذكر العزة لدفع الشرور، والرحمة لجلب الخيرات والتثبيت.