روى الطبري (19/377)مصدر غير محدد١٩/٣٧٧ عن قتادة ومجاهد: {وَإِإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} أي وإذا نزل بي سقم أو علة، فهو الذي يعافيني من سقمي ويبرئني من علتي، لا يقدر على شفائي طبيب ولا دواء إلا بإذنه وقدرته.
قال ابن كثير (6/152)مصدر غير محدد٦/١٥٢: "أسند المرض إلى نفسه أدباً مع الله عز وجل، وإن كان المرض والشفاء كلاهما بقضاء الله وقدره وخلقه؛ كما قال الخضر: {فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا}، وقال في حق الغلامين: {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا}؛ فالخليل نسب النقص والمرض إلى نفسه، ونسب الكمال والشفاء والإنعام إلى ربه تبارك وتعالى".
قال القرطبي (13/105)مصدر غير محدد١٣/١٠٥: "فيه دليل على كمال الأدب في التعبير؛ لم يقل: 'وإذا أمرضني' رعايةً لحسن الخطاب مع الله تعالى، ونبه على أن الشافي حقيقة هو الله وحده وأن الأدوية أسباب لا تنفذ إلا بمشيئته".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَإِذَا}: الواو عاطفة، {إِذَا}: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه مبني على السكون.
{مَرِضْتُ}: فعل ماضٍ مبني على السكون لاتصاله بتاء الفاعل، والتاء ضمير متصل مبني على الضم في محل رفع فاعل؛ وجملة فعل الشرط في محل جر بالإضافة لـ {إِذَا}.
{فَهُوَ}: الفاء رابطة لجواب الشرط؛ {هُوَ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ (للحصر والتخصيص).
{يَشْفِينِ}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة، والفاعل مستتر تقديره (هو)، والنون للوقاية والياء المحذوفة مفعول به؛ والجملة خبر {هُوَ}، والجملة الاسمية جواب الشرط لا محل لها من الإعراب، وجملة الشرط والجواب معطوفة على ما قبلها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
مناسبة ذكر الشفاء بعد الإطعام والسقي:
الغذاء والماء يحفظان الصحة، والمرض عارض يطرأ فيفسد انتفاع البدن بالطعام والشراب ويذهب اللذة بهما؛ فناسب أن يعقب ذكر النعمة الدائمة بذكر النعمة العارضة عند الشدة؛ ليبين أن ربه هو الحافظ في حال الصحة وهو المغيث المشافي في حال السقم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
التوفيق بين التداوي وعقيدة {فَهُوَ يَشْفِينِ}:
قد يتوهم واهم أن حصر الشفاء في الله يلغي الأخذ بأسباب الطب والدواء!
الرد العقلي والشرعي: التداوي مأمور به شرعاً كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً"؛ ولكن الدواء سبب مجرد لا يملك الشفاء بذاته، وكم من مريض تناول أنجع الأدوية فمات بها أو لم تنفعه! فالشفاء خلق إلهي وفعل رباني ينزله الله متى شاء، ويبقى الحصر الخالص: {فَهُوَ يَشْفِينِ} حقيقة لا تنازعها حذاقة الأطباء.
لطيفة الأدب الإبراهيمي الباذخ: قال في الخلق: {خَلَقَنِي}، وفي الرزق: {يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ}، ولم يقل في المرض: "أمرضني"، بل قال: {مَرِضْتُ}؛ تنزيهاً لله عن إضافة النقص والمكروه إليه في مقام الثناء، وتأدباً مع الرب الجليل.
إعادة الفاء والضمير {فَهُوَ يَشْفِينِ}: للتأكيد القطعي على أن إزالة الداء وبرء العلة من اختصاص المعبود الحق دون سواه.
تدبر الاستشفاء باليقين: كم من علة استعصت على الطب فبرأت بدعوة مضطر ويقين عابد بأن الشافي هو رب العالمين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
غرس الأدب في مناجاة الله: ينبغي للمسلم أن يتخير أرق الألفاظ وأحسن العبارات في مخاطبة ربه ونسبة الخيرات إليه والاعتراف بالتقصير البشري.
توثيق صلة المريض بربه: المرض محطة لتربية النفس على الافتقار واللجوء إلى الشافي الحقيقي، مع الأخذ بالأسباب الطبية بلا شرك ولا اعتماد عليها.