روى الطبري في جامع البيان (19/359)مصدر غير محدد١٩/٣٥٩ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: {فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} أي قضينا على فرعون وملئه بالخروج من جنات مصر وبساتينها الغناء الملتفة بالأشجار المثمرة، ومن عيون مياهها وأنهارها العذبة المتفجرة من نهر النيل، ومن نعيمها المقيم الذي كانوا يتقلبون فيه؛ خرجوا مستكبرين خلف موسى، ولم يكونوا يعلمون أنهم يودعون تلك الجنات وداعاً أخيراً بلا رجعة، وأنهم يساقون إلى مصرعهم في اليم.
قال ابن كثير (6/149)مصدر غير محدد٦/١٤٩: "يقول تعالى مخبراً عما عاقب به آل فرعون؛ إذ سلبهم تلك النعم العظيمة التي كانوا فيها من الجنات والبساتين والعيون الجارية والأنهار المتدفقة؛ أخرجهم الله منها بقدرته وساقهم إلى حتفهم؛ كقوله تعالى في الدخان: {كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ}".
بين القرطبي (13/119)مصدر غير محدد١٣/١١٩: إسناد الإخراج إلى ضمير العظمة الإلهية {فَأَخْرَجْنَاهُم} للدلالة على أن خروجهم وإن كان باختيارهم الظاهر لمطاردة موسى، إلا أنه كان بقهر الله وإرادته الكونية التي جرت عليهم لطردهم من نعمائهم واستئصالهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَأَخْرَجْنَاهُم}: الفاء عاطفة للترتيب والتعقيب الجزائي، أخرجناهم فعل ماض مبني على السكون، و"نا" فاعل، والهاء مفعول به والميم للجمع؛ والإخراج: الإبعاد والنقل من داخل المكان إلى خارجه.
{مِّن جَنَّاتٍ}: جار ومجرور متعلقان بـ "أخرجناهم"؛ وجنات جمع جنة، وهي البستان الملتف بالأشجار والنخيل الذي يستر الأرض بظلاله.
{وَعُيُونٍ}: معطوف على جنات مجرور بالكسرة؛ وعيون جمع عين، وهي ينابيع الماء المتفجرة العذبة ومجاري الأنهار.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النقلة الصاعقة من بطر القوة إلى سلب النعمة: بعد أن استعرض فرعون جبروته وتفاخر بجيشه وقال: {وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ}، قطعت الآية هذا الغرور بحكم إلهي قاطع التفت إلى مآلهم المحتوم: {فَأَخْرَجْنَاهُم}؛ ليظهر هوان تخطيطهم أمام قدرة الله.
التمهيد لوراثة المستضعفين: تعداد هذه النعم المسلوبة (جنات، عيون، كنوز، مقام كريم) مهد لنقلها إلى بني إسرائيل في الآية (59): {كَذَٰلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
زوال نعم الظالمين وسنة الاستدراج:
محاكمة تاريخية لسقوط الحضارات المترفة؛ لم تنفع فرعون بساتين مصر ولا أنهارها ولا هندستها الزراعية العظيمة حين تمرد على شريعة الله؛ فالرخاء المادي والرفاهية الاقتصادية لا تحمي أمة ظالمة من سخط الله وعقابه.
إخراجهم حدث وهم يظنون أنهم خارجون لنصر مؤكد، وهذا منتهى الاستدراج؛ أن يساق الطاغية برجله إلى حفرة هلاكه وهو يبتسم.
الالتفات الإلهي إلى صيغة الفاعلية المطلقة {فَأَخْرَجْنَاهُم}: إظهار للهيمنة الإلهية العليا التي تسير ملوك الأرض كحبات الشطرنج إلى حيث أراد الله إهلاكهم.
التنكير في {جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}: للتعظيم والتكثير والتهويل؛ أي من بساتين عظيمة وينابيع غناء لا تحصى روعتها.
تدبر سرعة زوال النعيم: في الصباح كانوا في قصورهم وجناتهم يتمتعون، وفي المساء طفت أجسادهم جيفاً على مياه البحر الأحمر، فما أغنت عنهم جناتهم ولا عيونهم شيئاً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شكر نعم الأوطان والماء والأشجار: شكر الله على نعم الطبيعة والرخاء الزراعي، والحذر من كفران النعمة بالظلم والفساد؛ فإن الظلم مؤذن بخراب العمران وزوال النعم.
عدم الاغترار بالاستقرار المادي للظالمين: ألا ينخدع المسلم بما يراه من قصور فارهة وحدائق غناء يملكها المفسدون؛ فالله قادر على إخراجهم منها وتجريدهم من كل متاع في لمح البصر.
الاعتبار بمصارع الغابرين: أخذ العظة والعبرة من أطلال الفراعنة ومزارعهم التي أورثها الله لغيرهم بعد استكبارهم.