روى الطبري (19/393)مصدر غير محدد١٩/٣٩٣ عن قتادة ومجاهد والحسن: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} قالوا: لم يكن قبله رسول أرسله الله إلى قومه، ولكنه كذب به قومه فكان تكذيبهم لنوح تكذيباً لجميع الرسل؛ لأن الرسل يدعون إلى ملة واحدة وأصل واحد وهو التوحيد، فمن كذب بواحد منهم فقد كذب بجميعهم.
قال ابن كثير (6/156)مصدر غير محدد٦/١٥٦: "هذا إخبار من الله تعالى عن قوم نوح؛ ونوح عليه السلام هو أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد أن عبدت الأصنام، ومع هذا قال تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ}؛ لأن من كذب برسول فقد كذب بجميع المرسلين؛ لاتفاق دعوتهم في التوحيد واقترافهم نفس الذنب في التكذيب".
قال القرطبي (13/110)مصدر غير محدد١٣/١١٠: "ذكر المرسلين بلفظ الجمع ونوح واحد، وفيه وجهان: أحدهما: أن تكذيب الواحد تكذيب للجماعة لتماثل الرسالة. والثاني: أن نوحاً كرر دعوته ودعاهم أزماناً متطاولة بأدلة متجددة فكأنهم كذبوا رسلاً كثيرين".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{كَذَّبَتْ}: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والتاء تاء التأنيث الساكنة لا محل لها من الإعراب وحُركت لمناسبة تأنيث الفاعل المجازي (القوم).
{قَوْمُ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف؛ والقوم: الجماعة من الرجال أو عموم الناس المجموعين في أمر مشترك، وتأنيث الفعل لمعنى الأمة أو الجماعة.
{نُوحٍ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة؛ ونوح منصرف لأنه علم ثلاثي ساكن الوسط.
{الْمُرْسَلِينَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم؛ والمرسلون: الرسل المبعوثون بالوحي الإلهي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
افتتاح القصص الخمس المتماثلة بهذه الصيغة:
افتتحت قصة نوح بقوله: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ}، وسيعقبها في السورة: {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ}، {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ}، {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ}، {كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ}؛ وهذا التماثل في المطالع يعكس وحدة المعركة بين التوحيد والشرك، ويوضح أن طبيعة الاستكبار واحدة عبر القرون.
مناسبة البدء بنوح بعد إبراهيم: نوح هو شيخ المرسلين وأول رسول إلى أهل الأرض وأبو البشرية الثاني، فناسب ذكره بعد أبي الأنبياء إبراهيم ليتبين تسلسل دعوة التوحيد في التاريخ البشري.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة وحدة الرسالة وبطلان التفريق بين الرسل:
محاكمة عقلية لأهل الملل: رسالات الأنبياء تشترك في أصل الإلهيات والتوحيد الخالص؛ فمن رفض نبوة نبي واحد بحجة العناد أو الهوى فقد أهدر في الحقيقة حجية النبوة من أصلها؛ ولذلك عد القرآن اليهود والنصارى ومشركي قريش مكذبين لجميع الأنبياء حين كذبوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، لأن الأدلة الدالة على نبوة الأولين هي بعينها الدالة على نبوة الآخر.