روى الطبري (19/348)مصدر غير محدد١٩/٣٤٨ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: لما اصطف السحرة بحبالهم وعصيهم متسلحين بوعود فرعون، تقدم كليم الله موسى عليه السلام بكل ثبات ويقين، وقال لهم برباطة جأش الآمن المطمئن بربه: {أَلْقُوا مَا أَنتُم مُّلْقُونَ}؛ أي ابدؤوا أنتم أولاً وألقوا كل ما في جعبتكم من السحر والحبال والحيل التي أعددتموها؛ وهذا الأمر ليس أمراً بالسحر واستحساناً له، بل هو أمر استدراج وإظهار لتحدي الباطل، لتبطل حيلهم أمام الجميع بعد أن يستفرغوا كل وسعهم.
قال ابن كثير (6/145)مصدر غير محدد٦/١٤٥: "هذا من كمال ثقة موسى عليه السلام بربه، ويقينه بنصره وتأييده؛ أذن لهم أن يبدؤوا ليرى الناس أقصى ما عندهم من القوة والسحر، فإذا استفرغوا طاقتهم وبلغوا غاية حيلهم، ألقى عصاه فابتلعت ما صنعوا في لحظة؛ فيكون ذلك أبلغ في كسرهم وأعظم في إظهار الحق".
بين القرطبي (13/113)مصدر غير محدد١٣/١١٣: أمر موسى إياهم بالإلقاء صيغة أمر يراد بها التعجيز والتهديد والمنازلة، كقوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ}؛ ليقيم الحجة عليهم بعد أن يفرغوا كل ما عندهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَالَ}: فعل ماض مبني على الفتح.
{لَهُم}: جار ومجرور متعلقان بـ "قال".
{مُّوسَىٰ}: فاعل مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر.
{أَلْقُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل؛ والأمر هنا للتعجيز والاستدراج وإظهار التحدي.
{مَا}: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به لـ "ألقوا".
{أَنتُم}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{مُّلْقُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة صلة الموصول والعائد محذوف تقديره ملقوه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هدوء الواثق في مواجهة زحام المغرورين: بعد كل هذه التعبئة الفرعونية الهائلة، واستدعاء السحرة من كل المدائن، ومساومتهم على الذهب والمناصب، يقف موسى وحيداً شامخاً ليلقي كلمتين هادئتين حاسمتين: {أَلْقُوا مَا أَنتُم مُّلْقُونَ}؛ ليختزل المشهد كله في كلمة واحدة تدل على استصغار كيدهم.
ترك المبادأة للخصم: تكتيك مناظراتي رفيع؛ إعطاء الخصم حق البدء والعرض الكامل، لكي يفرغ كل أوراقه وحيله، فلا يبقى له عذر ولا حجة بعد ذلك.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
جواز الأمر بما ظاهره محرم لمصلحة إبطاله:
دفع توهم من يسأل: كيف يأمر موسى وهو نبي معصوم بإلقاء السحر المحرم؟
رد أئمة السنة والتحقيق المنطقي بأن موسى لم يأمرهم بالسحر ليرضى به، وإنما أمرهم بإظهار ما أعدوه ليكشف زيفه ويفضحه ويهدمه بالمعجزة الإلهية؛ فالأمر هنا لإظهار بطلان الباطل وإقامة الحجة البالغة، وما لا يتم الواجب (وهو إحقاق الحق وإبطال السحر) إلا به فهو واجب.
استراتيجية استدراج الباطل إلى قمة استعلائه:
الحكمة تقتضي أن يترك الباطل لينتفش ويصل إلى ذروة استعراضه وقوته أمام الجماهير، لكي تكون سقطته مدوية وصاعقة لا تدع مجالاً للتشكيك في هزيمته.
الإيجاز البديع في {مَا أَنتُم مُّلْقُونَ}: لفظ يعم كل ما أعدوه من حبال وعصي وزئبق وآلات تمويه؛ وكأنه يقول: ألقوا كل ما في طاقتكم وقدرتكم دون استبقاء لشيء.
صيغة الأمر للتعجيز {أَلْقُوا}: إظهار للاستخفاف بكيدهم، وأن ما جمعوه ليس إلا هباءً منثوراً أمام قوة الله.
تدبر هيبة الحق: كلمة نبي واحد أعزل تهز آلاف السحرة المحميين بالجيوش؛ لأن الحق يملك سلطاناً ذاتياً في النفوس.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إعطاء الخصم فرصته الكاملة في الحوار: تمكين المخالف من طرح شبهاته كاملة دون مقاطعة أو تشغيب؛ للرد عليها وتفكيكها بأمانة واقتدار.
الثقة التامة بانتصار دين الله: ألا يتزلزل قلب المسلم إذا رأى الباطل يستعرض قوته وتقنياته وإعلامه؛ فكل ذلك حبال وعصي ستلقفها معجزة الحق.
التحلي بالشجاعة ورباطة الجأش: استقبال التحديات الكبرى بثبات وسكينة تنبع من الإيمان العميق بالله وتأييده.