شهادة علماء بني إسرائيل المنصفين بصدق نبوة محمد والقرآن:
روى الطبري (19/435)مصدر غير محدد١٩/٤٣٥ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: {أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ} قالوا: أولم يكن لمشركي قريش وأهل مكة دلالة قاطعة وبرهان ساطع على صدق محمد، أن علماء أهل الكتاب من بني إسرائيل (مثل عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي ومخيريق وغيرهم ممن أسلم وعرف الحق) يعلمون نعت محمد صلى الله عليه وسلم وصحة تنزيله في كتبهم المنزلة بما عندهم من التوراة والإنجيل؟!
قال ابن كثير (6/166)مصدر غير محدد٦/١٦٦: "أي أوَليس يكفي هؤلاء المشركين آية تدل على صدق هذا القرآن أن علماء بني إسرائيل يجدون ذكره ونعته في كتبهم الدرسية، ويعترفون بصدقه لمن سألهم من قريش؛ وكان مشركو مكة يرجعون إلى اليهود يسألونهم عن محمد، فيخبرونهم أنه نبي مبعوث".
قال القرطبي (13/130)مصدر غير محدد١٣/١٣٠: "قرأ ابن عامر: {أَوَلَمْ تَكُن لَّهُمْ آيَةٌ} بالتاء لتأنيث الآية ورفعها اسماً لتكن، وأن يعلمه خبرها؛ وقرأ الباقون: {أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً} بالياء ونصب آية على أنها خبر كان مقدم، والمصدر المؤول {أَن يَعْلَمَهُ} هو اسم كان المؤخر".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَوَلَمْ}: الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي؛ والواو عاطفة على مقدر؛ {لَمْ}: حرف نفي وجزم وقلب.
{يَكُن}: فعل مضارع ناقص مجزوم بـ {لَمْ} وعلامة جزمه السكون.
{يَعْلَمَهُ}: فعل مضارع منصوب بـ {أَن} وعلامة نصبه الفتحة، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به عائد على القرآن أو النبي صلى الله عليه وسلم.
{عُلَمَاءُ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف.
{بَنِي}: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وهو مضاف.
{إِسْرَائِيلَ}: مضاف إليه مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة؛ والمصدر المؤول من {أَن يَعْلَمَهُ...} في محل رفع اسم {يَكُن} مؤخر، والتقدير: أولم يكن علمُ علماء بني إسرائيل به آيةً لهم؟!
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إفحام مشركي مكة بشهادة المرجع الديني في زمانهم:
كانت قريش أمة أمية لا كتاب لها، وكانت تعظم أهل الكتاب (اليهود والنصارى) وترجع إليهم في قضايا النبوات والغيبيات؛ فألزمهم الله بالحجة التي يقبلونها: إذا كنتم ترتابون في محمد، فاسألوا أهل الذكر وعلمائهم الذين تعظمونهم؛ فإنهم يعلمون نبوته ويجدونه في كتبهم؛ فكانت شهادة علماء بني إسرائيل برهاناً ساطعاً لا مفر منه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الاستشهاد بعلم العلماء المنصفين دون جاحديهم:
محاكمة أصولية دقيقة: قال الله: {عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ}، ولم يقل "بنو إسرائيل"؛ لأن العامة والمكابرين قد ينكرون حسداً وتعصباً كما فعل أحبار يهود يثرب، أما "العلماء الراسخون" المنصفون المطلعون على خفايا النصوص فقد اعترفوا بصدقه وآمنوا به كعبد الله بن سلام الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم في حقه: "نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ"؛ فشهادة أهل الاختصاص المنصفين هي المعتبرة عقلاً وشرعاً.
الاستفهام التوبيخي والتعجيبي: {أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً}: تعجيب من بلادة حسهم وعماهم عن آية ساطعة تشهد بها المراجع الدينية الراسخة في عصرهم.
تنكير {آيَةً}: للتعظيم؛ أي دلالة باهرة كافية وحدها لتبديد كل شك.
تدبر إنصاف المنصفين: العالم الصادق يقوده علمه إلى الخضوع للحق والاعتراف بالنبوة ولو خالف أهواء قومه ورؤساء ملته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاستدلال بشهادات المنصفين من غير المسلمين: من أساليب المحاجة المعاصرة الاستشهاد باعترافات المنصفين من علماء الغرب والمستشرقين بعظمة القرآن وكمال النبوة لإلزام الخصوم.
شرف العلم النافع: العلم الحقيقي هو الذي يورث صاحبه البصيرة والانقياد لأمر الله، أما العلم المقرون بالحسد والكبر فيورث الخذلان.