سياق الأمر بالتلاوة والانتقال إلى قصة الخليل إبراهيم عليه السلام:
روى الطبري (19/370)مصدر غير محدد١٩/٣٧٠ عن قتادة ومجاهد: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ} أي واقرأ يا محمد على مشركي قريش وقومك خبر إبراهيم وإمام الحنفاء الذي يزعمون أنهم على دينه وملته وينتسبون إليه شرفاً وعمارةً للبيت، ليعلموا كيف كان موقفه من الأصنام التي يعكفون عليها اليوم وكيف جاهدهم بالبرهان الساطع.
قال ابن كثير (6/151)مصدر غير محدد٦/١٥١: "يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: واقرأ على قومك خبر إبراهيم خليل الرحمن، الذين يدعون أنهم على ملته ومن أتباعه وحملة لواء بنوّته، وهم يعبدون الأصنام والأوثان ويشركون بربهم؛ ليبين لهم أنه تبرأ من الأوثان ومن عبدتها، وأن دينه التوحيد الخالص لله رب العالمين".
قال القرطبي (13/102)مصدر غير محدد١٣/١٠٢: "النَّبَأ: الخبر العظيم الشأن ذو المنفعة البالغة، وقيل: خصه بالذكر لأن قريشاً كانت تعظمه وتفخر بنسبتها إليه؛ فألزمهم الله الحجة بما كان عليه إمامهم إبراهيم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَاتْلُ}: الواو عاطفة أو استئنافية لافتتاح قصة جديدة؛ {اتْلُ}: فعل أمر مبني على حذف حرف العلة (الواو)، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره (أنت). وأصل التلاوة: متابعة القراءة سرداً وإتقاناً.
{عَلَيْهِمْ}: جار ومجرور متعلق بالفعل {اتْلُ}، والميم علامة الجمع؛ والضمير عائد على كفار مكة ومشركي قريش ومَن يبلغهم القرآن.
{نَبَأَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وهو مضاف. والنَّبَأُ لغةً: الخبر العظيم الخطير ذو الصدق والأهمية الذي لا شك فيه.
{إِبْرَاهِيمَ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
مناسبة الانتقال من قصة موسى إلى قصة إبراهيم:
لما فرغ السياق من قصة موسى مع فرعون وبني إسرائيل وما اشتملت عليه من مواجهة الطغيان السياسي والاستبداد بالسلطان وعاقبة الغرق والإهلاك، انتقل إلى قصة الخليل إبراهيم؛ لأنها تمثل محاجة الوثنية والعكوف على الأصنام بالبراهين العقلية والفطرة الإيمانية التامة؛ وقريش مبتلاة بالشرك الوثني لا بفرعونية ادعاء الربوبية السياسية؛ فكانت قصة إبراهيم ألصق بمرضهم العقدي المباشر.
الرابط بين السورتين والقصتين: أن كلا الرسولين (موسى وإبراهيم) قاما في وجه أقوى طغيانين في زمانهما؛ موسى ضد فرعون الجبار، وإبراهيم ضد النمروذ وقومه الكلدانيين؛ وكلاهما نصر الله به التوحيد وأهلك خصومه وأبطل كيدهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إسقاط شرعية ادعاء قريش الانتماء إلى الخليل:
محاكمة عقلية ساحقة؛ إذ كانت قريش تحتج على العرب بأنها ورثة الحرم وأبناء إبراهيم عليه السلام، فأمر الله نبيه أن يتلو عليهم سيرة هذا الوالد الجليل وإمام الحنفاء؛ ليرى المشركون حجم التناقض الفاضح بين دين إبراهيم القائم على تحطيم الأصنام والتبرؤ منها وبين واقعهم المرير الذي جعلوه نصباً تعكف عليه الأصنام حول الكعبة المشرفة.
الحجة الإلزامية: من زعم أنه يتبع شخصاً وجب عليه أن يوافقه في أصول منهجه؛ فإذا كان الأصل عند إبراهيم عداوة الأوثان، كان عباد الأوثان أعداءً لإبراهيم لا أتباعاً له.
استعمال لفظ {نَبَأَ} دون "خبر": للدلالة على أن شأن إبراهيم ومناظرته لقومه ليست حكاية عابرة أو قصة تاريخية للتسلية، بل هي نبأ عظيم مصيري يحمل براهين التوحيد الخالدة التي تقصم ظهر الشرك في كل عصر.
الالتفات الإنشائي بالأمر {وَاتْلُ}: تنبيه للسامع وشحذ لهمته لتلقي النبأ الجليل بعد أن عاش مشهد غرق فرعون ونجاة بني إسرائيل.
تدبر التراث الحق: ليس الفخر بالأنساب المجردة، بل الفخر بموافقة الأنبياء في العقيدة والعمل والمنهاج.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إحياء المرجعية الفطرية للأمم: الداعية الحكيم يستحضر في خطابه الرموز التي تعظمها البيئة المدعوة ليقيم الحجة عليهم من أصول مقدساتهم، كما أقام النبي الحجة على قريش بموقف أبيهم إبراهيم.
تحرير المفاهيم: لا يجوز للأجيال أن ترث الأشكال والشعارات دون المضامين؛ فالانتماء لملة إبراهيم هو تحقيق التوحيد الخالص ونبذ كل شائبة وثنية.