محاكمة عقلية حول قيمة المتاع الدنيوي الطويل أمام العذاب:
روى الطبري (19/439)مصدر غير محدد١٩/٤٣٩ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن والضحاك: {أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ} قالوا: أخبرني يا محمد، أرأيت لو أمهلنا هؤلاء المشركين ومتعناهم في الدنيا وطولنا أعمارهم سنين كثيرة ودهوراً متطاولة في نعيم وأموال وبنين وصحة وعافية، ماذا ينفعهم ذلك المتاع كله إذا نزل بهم العذاب الخالد؟
قال ابن كثير (6/166)مصدر غير محدد٦/١٦٦: "أي أخبرني لو أخرناهم وأمددنا في أعمارهم سنين عديدة، يتقلبون في نعم الدنيا وملذاتها، ثم جاءهم أمر الله وعذابه، أي شيء يجدي عنهم ما كانوا فيه من النعيم؟! بل يذهب ذلك كله هباءً منثوراً كأنه لم يكن".
روى مسلم (2807) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ! وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ! مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَفَرَأَيْتَ}: الهمزة للاستفهام التقريري والتعجيبي؛ والفاء عاطفة على مقدر؛ {رَأَيْتَ}: فعل ماضٍ مبني على السكون لاتصاله بالتاء، والتاء فاعل؛ والرؤية قلبية علمية تفيد التبصر والتعجيب وتستعمل بمعنى (أخبرني).
{إِن}: حرف شرط جازم.
{مَّتَّعْنَاهُمْ}: فعل ماضٍ مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، و(نا) فاعل، والهاء مفعول به أول والميم للجمع؛ والتمتيع: الإبقاء في الانتفاع بالملذات.
{سِنِينَ}: ظرف زمان منصوب بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم؛ وهو جمع سنة على غير قياس؛ والتنكير للتعظيم والتكثير؛ وجواب الشرط محذوف دل عليه قوله {مَا أَغْنَىٰ عَنْهُم}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الثلاثية القرآنية المعجزة في موازنة الدنيا بالآخرة:
ارتبطت الآيات الثلاث (205 و206 و207) برباط منطقي ووجداني ساحق:
الفرض: {أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ} (طول العمر والنعيم).
لتتحطم أعظم أوهام النفس البشرية في التعلق بزخرف الدنيا الزائل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
نسف وهم الأمان بطول العمر ورغد العيش:
محاكمة فلسفية ووجودية: لو عاش الإنسان ألف عام في أعلى درجات الترف والملذات والقصور والخدم، ثم انتهى به المطاف إلى عذاب النار الأبدي؛ فهل تساوي تلك السنوات ألف سنة أو ذرة في ميزان العذاب المقيم؟!
الحقيقة العقلية: اللذة الفانية تنقضي بحلاوتها وتبقى تبعتها ومرارتها، وأول غمسة في العذاب تمحو ذكرى ملايين السنين من النعيم! فما أقصر الدنيا وما أتفه متاعها حين يقاس بالخلود.