روى الطبري (19/414)مصدر غير محدد١٩/٤١٤ عن قتادة ومجاهد وابن عباس: {الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ} قالوا: يفسدون في الأرض بالمعاصي والدعوة إلى الشرك وظلم الضعفاء وعقر الناقة وقطع السبيل، ولا يصلحون عملاً ولا يدعون إلى خير قط، بل فسادهم خالص لا يشوبه نفع.
قال ابن كثير (6/160)مصدر غير محدد٦/١٦٠: "نعت للمسرفين؛ أي سجيتهم وطبيعتهم الفساد المحض؛ ليس في أفعالهم صلاح يرجى، بل همهم نشر الرذيلة والظلم والصد عن دين الله".
قال القرطبي (13/119)مصدر غير محدد١٣/١١٩: "قوله {وَلَا يُصْلِحُونَ}: توكيد لبيان أن فسادهم عارم لا يخالطه إصلاح، أو أنهم لا يقصدون بأفعالهم وجه الله ولا منفعة الخلق".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني على الفتح في محل جر نعت لـ {الْمُسْرِفِينَ}.
{يُفْسِدُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو ضمير متصل فاعل؛ والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
{يُصْلِحُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل؛ والجملة معطوفة على صلة الموصول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كشف حقيقة ادعاءات المفسدين:
عادة المفسدين في كل عصر أن يدعوا الإصلاح كما قال تعالى في سورة البقرة: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}؛ فجاء التوصيف الإلهي القاطع هنا ليكشف زيفهم: {يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ}؛ فأسقط عنهم أي شبهة إصلاح وسماهم بأسمائهم الحقيقية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
نفي الصلاح بالكلية {وَلَا يُصْلِحُونَ}:
محاكمة دقيقة: قد يقول قائل: أليس المسرف قد يعمل عملاً نافعاً في دنياه كبناء طريق أو سد؟!
الجواب: النفع المادي السطحي إذا اقترن بهدم العقيدة ونشر الفواحش وظلم الناس لا يسمى في ميزان الحقيقة "إصلاحاً"، بل هو تلبيس وتزيين للفساد؛ لأن الفساد في الأصول الدينية والأخلاقية يدمر المجتمعات ويسقط الحضارات؛ فصارت كل مشاريعهم في الحقيقة هدماً لا بناءً.
الجمع بين إثبات الفساد ونفي الصلاح: طباق سلب؛ ونفي الصلاح بعد إثبات الإفساد لقطع توهم أن فسادهم عارض أو مغمور في بحر حسناتهم؛ بل هو فساد كاسح مجرد من الصلاح.