روى الطبري (19/373)مصدر غير محدد١٩/٣٧٣ عن قتادة ومجاهد: {قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ} أي فلما بهتهم الخليل وحاصرهم بالبرهان، اعترفوا ضمناً بأن الأصنام لا تسمع ولا تنفع ولا تضر، وأضربوا عن الجواب العقلي قائلين: بل نحن نقتدي بآبائنا وأسلافنا ونفعل كما كانوا يفعلون تقليداً واتباعاً لآثارهم دون برهان.
قال ابن كثير (6/151)مصدر غير محدد٦/١٥١: "أي: اعترفوا بأن أصنامهم لا تفعل شيئاً من ذلك، ولكنهم قالوا: رأينا آباءنا يعبدونها فنحن نتبع آثارهم ونقتفي أثرهم؛ وهذا هو عين الجهل والعمى الذي احتجت به كل أمة ضالة في وجه أنبيائها".
قال القرطبي (13/104)مصدر غير محدد١٣/١٠٤: "استعملوا {بَلْ} للإضراب عن السؤال؛ لأنهم علموا أنهم لو قالوا: تسمع وتنفع وتضر، لكذبهم الحس والعيان، فأفصحوا عن علتهم وهي مجرد التقليد المحض للآباء".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَالُوا}: فعل ماضٍ وفاعله.
{بَلْ}: حرف إضراب وانتقال مبني على السكون؛ أضربوا به عن الإجابة بـ "نعم" أو "لا" لعجزهم، وانتقلوا إلى الاعتراف بالدافع الحقيقي لعبادتهم.
{وَجَدْنَا}: فعل ماضٍ مبني على السكون لاتصاله بضمير الرفع، و(نا) فاعل.
{آبَاءَنَا}: مفعول به أول منصوب وعلامة نصبه الفتحة، و(نا) ضمير متصل في محل جر مضاف إليه.
{كَذَٰلِكَ}: الكاف اسم بمعنى (مثل) في محل نصب صفة لمصدر محذوف (يفعلون فعلاً مثل ذلك)، أو حرف جر و(ذا) اسم إشارة مبني في محل جر متعلق بالفعل {يَفْعَلُونَ}، واللام للبعد والكاف للخطاب.
{يَفْعَلُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل؛ والجملة في محل نصب مفعول به ثانٍ للفعل {وَجَدْنَا} (إذا كانت بمعنى علمنا واعتقدنا) أو حال من الآباء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
روعة الانتقال بحرف الإضراب {بَلْ}:
لم يقولوا: "لا يسمعون ولا ينفعون"، استحياءً من الاعتراف الصريح بالهزيمة، ولم يقولوا: "نعم"، حذراً من المكابرة الفاضحة أمام الحس؛ ففروا إلى حرف الإضراب {بَلْ}؛ وهو إقرار ضمني بالهزيمة العقلية وهروب إلى الحصن الوحيد لأهل الباطل: "التقليد الجمعي والموروث التاريخي".
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
بطلان الاحتجاج بالآباء والماضي في أصول العقائد:
أعظم شبهة تصد الناس عن الحق على مدار التاريخ البشري هي تقديس القديم وافتراض أن الأسلاف لا يخطئون؛ والمحاكمة العقلية تدحض هذه الشبهة من وجهين:
أن الآباء بشر غير معصومين، وقد يجهلون ويضلون كما قال تعالى: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ}.
أن الحق لا يُعرف بالرجال ولا بطول الزمان، بل بالبراهين والحجج؛ فلو كان القدم والكثرة دليلاً على الحق لكانت وثنية إبليس أقدم وأحق بالاتباع!