روى الطبري (19/335)مصدر غير محدد١٩/٣٣٥ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} لما أفحمه موسى في دعوى النعمة والمن، انصرف فرعون إلى الطعن في أصل الرسالة والتنكير على دعوى التوحيد؛ وسأل متعنتاً ومستنكراً ومستهزءاً: وما هذا الذي تزعم أنه رب العالمين وسيد الأكوان؟ لا أعرف رباً سواي لأهل مصر؛ فما ماهيته وما صفته وما حقيقته؟!
قال ابن كثير (6/141)مصدر غير محدد٦/١٤١: "يقول تعالى مخبراً عن كفر فرعون وتمرده وعتوه؛ إذ سأل مستنكراً سؤال جاهل متعنت: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ}؟! وذلك أنه كان يدعي الألوهية لقومه ويقول: {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي}؛ فلما قال له موسى: إنا رسول رب العالمين، سأل عن هذا المعبود الذي لم يألفه في أوهامه الشركية".
بين القرطبي (13/103)مصدر غير محدد١٣/١٠٣: سؤال فرعون بـ "ما" سؤال عن الماهية والجنس؛ لأن "ما" في لغة العرب يسأل بها عن حقائق الأشياء وأجناسها؛ وفرعون بجهله قاس الخالق على المخلوقات وسأل عن جنس الإله وماهيته، والله سبحانه منزه عن الماهية والجنس والكيفية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَالَ}: فعل ماض مبني على الفتح.
{فِرْعَوْنُ}: فاعل مرفوع بالضمة ممنوع من الصرف.
{وَمَا}: الواو عاطفة أو استئنافية، "ما" اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ (أو خبر مقدم)، والاستفهام للإنكار والتجاهل والاستهزاء والسؤال عن الجنس.
{رَبُّ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة (أو مبتدأ مؤخر)، ورب مضاف.
{الْعَالَمِينَ}: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم. والجملة مقول القول في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الإفلاس والهروب إلى العقائد المجردة: بعد أن سقطت ورقة التهديد والمنّ الشخصي أمام صخرة حجة موسى، لجأ فرعون إلى الهجوم على العقيدة ذاتها لعله يجد فيها ثغرة يلبس بها على ملئه وحاشيته.
التمهيد لأعظم تعريف قرآني برب العالمين: هذا السؤال المتعنت مهد لجواب موسى النوراني الباهر في الآية التالية: {قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}، لتبدأ معركة إثبات وجود الخالق وعظمته في البلاط الفرعوني.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تهافت دعوى الإلحاد والتأليه البشري:
يكشف السؤال العقلية الإلحادية المغرورة التي تجعل من العقل البشري المحدود مقياساً لكل موجود؛ ففرعون ينكر ما لا يراه بحواسه ولا يدخل تحت سلطانه الحسي.
وسؤاله بـ "ما" عن الله خطأ منطقي شنيع؛ لأن "ما" يسأل بها عما له جنس وماهية وأجزاء، والله خالق الأجناس والماهيات وليس كمثله شيء، ولهذا لم يجبه موسى بالماهية بل أجابه بأفعاله وآثاره في الخلق والملكوت.
الرد على استعلاء الجبابرة:
عجز فرعون عن مواجهة الحجة الحقوقية جعله يلجأ إلى التشكيك الميتافيزيقي للهروب من استحقاق تحرير بني إسرائيل.
استعمال {مَا} لغير العاقل: تعمد فرعون استخدام "ما" بدل "من" لإظهار الاحتقار والتنكير والتشكيك في وجود رب العالمين، كأنه يسأل عن شيء تافه مبهم لا قيمة له.
الإيجاز في السؤال: سؤال مقتضب من أربع كلمات يكثف تاريخ الشرك والإلحاد والتمرد على الله عبر القرون.
تدبر عمى البصيرة: كيف يعيش الإنسان في ملكوت الله العظيم، ويرى شمسه وقمره وأنهاره وأنفاسه، ثم يسأل بوقاحة: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ}؟!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثبات أمام أسئلة المشككين والملحدين: عدم الاضطراب أو التراجع إذا طرح الخصوم أسئلة إنكارية استفزازية تشكك في المسلمات العقدية، والرد عليها بمنهجية علمية رصينة.
تصحيح مسار السؤال في الحوار الفكري: نقل السائل من الأسئلة الفلسفية العقيمة (السؤال عن الكنه والماهية التي لا يحيط بها العقل) إلى البراهين الواقعية العقلية الدالة على الخالق من خلال آثاره في الآفاق والأنفس.
إدراك حدود العقل البشري: التسليم بأن العقل يدرك وجود الله وكماله ووحدانيته بأدلته، لكنه يعجز عن الإحاطة بذات الله وكيفية صفاته؛ لأن المخلوق المحدود لا يحيط بالخالق المطلق.