روى الطبري (19/323)مصدر غير محدد١٩/٣٢٣ عن ابن عباس ومجاهد والسدي: {وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ} أي واذكر يا محمد لقومك حين نادى ربك كليمه موسى بن عمران في الوادي المقدس طوى، وكلمه بالوحي المباشر بلا واسطة، وأمره: {أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} وهم فرعون وقومه القبط الذين استكبروا في الأرض وعبدوا غير الله وظلموا أنفسهم واستعبدوا بني إسرائيل وذبحوا أبناءهم واستحيوا نساءهم.
قال ابن كثير (6/137)مصدر غير محدد٦/١٣٧: "يذكر تعالى ما أمر به عبده ورسوله وكليمه موسى بن عمران حين ناداه من جانب الطور الأيمن، وكلمه وناجاه، وأرسله إلى فرعون وملئه، واصفاً إياهم بالظلم والعتو؛ لبيان سبب إرسال الرسل وهو رفع الظلم وإقامة العدل والتوحيد".
بين القرطبي (13/93)مصدر غير محدد١٣/٩٣: النداء هو الصوت المرتفع المسموع؛ ونادى الله موسى بكلام سمعه موسى بأذنيه حقيقة دون كيف ولا تشبيه، تكريماً لموسى وتثبيتاً له في مواجهة أعتى طغاة الأرض.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَإِذْ}: الواو استئنافية، "إذ" ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره: واذكر إذ نادى.
{نَادَىٰ}: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. والنداء: الدعاء بالصوت الرفيع من بُعد أو تعظيم.
{مُوسَىٰ}: مفعول به منصوب بفتحة مقدرة على الألف للتعذر.
{أَنِ}: مفسرة لمعنى النداء لأن فيه معنى القول دون حروفه، لا محل لها من الإعراب؛ أو مصدرية بتقدير حرف الجر (بأن ائت). وحركت النون بالكسر تخلصاً من التقاء الساكنين.
{ائْتِ}: فعل أمر مبني على حذف حرف العلة (الياء)، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت.
{الْقَوْمَ}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
{الظَّالِمِينَ}: نعت لـ "القوم" منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم؛ والظلم وضع الشيء في غير موضعه، وأعظمه الشرك والعدوان على عباد الله.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
افتتاح الموكب القصصي بأعظم قصة مكية: بدأت السورة بقصة موسى عليه السلام؛ لأنها أكثر القصص القرآنية شبهاً بحال النبي صلى الله عليه وسلم في مكة؛ فكلاهما بُعث في بيئة وثنية مستكبرة، وكلاهما واجه طاغية مستبداً استضعف المؤمنين، وكلاهما كُتب له النصر والتمكين في النهاية.
المبادأة بوصف الظلم: نعت القوم ابتداءً بـ {الظَّالِمِينَ} لبيان مبرر البعثة ومقصد الرسالة؛ فالرسالات السماوية لا تنزل ترفاً فكرياً بل تنزل لتثوير الوعي ومناهضة الظلم والاستكبار وتجريد العبودية لله وحده.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إثبات صفة الكلام الإلهي الحقيقي لموسى:
تقرر الآية عقيدة أهل السنة في إثبات صفة الكلام لله تعالى، وأنه سبحانه نادى موسى بصوت سمعه موسى، كما قال تعالى في موضع آخر: {وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا}.
تدحض الآية تأويلات المعطلة من الجهمية والمعتزلة الذين يزعمون أن الله خلق صوتاً في الشجرة، أو أن كلامه معنى نفسي مجرد؛ فالنداء في لغة العرب لا يكون إلا كلاماً مسموعاً صادراً من المنادي حقيقة.
وظيفة الرسل في مواجهة الاستبداد:
تبطل الآية دعاوى من يريد حصر الدين في العبادات الفردية الصامتة؛ فرسالة موسى الأولى كانت التوجه المباشر إلى قصر الطاغية لكسر شوكة الظلم وتحرير المستضعفين، مما يؤكد ارتباط التوحيد بالعدالة الاجتماعية والحرية.
الإيجاز في التعبير بـ {الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}: إجمال يثير الترقب لمعرفة من هم هؤلاء القوم، وما سبب ظلمهم، تمهيداً للبيان في الآية التالية.
التعبير بفعل الأمر الصادع {ائْتِ}: يوحي بجسارة المهمة وضرورة الاقتحام والمبادأة بمواجهة معاقل الباطل في عقر دارها دون تردد.
تدبر هيبة الموقف: استشعار اللحظة التي يخاطب فيها ملك الملوك سبحانه عبداً من عباده ليحمله أمانة تغيير تاريخ البشرية ومصارعة إمبراطورية الظلم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الجرأة في قول الحق أمام الظلمة: الاقتداء بموسى عليه السلام في الصدع بالحق ومناصحة أصحاب السلطة بالحكمة والبيان، وأداء واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
نصرة المظلومين والمستضعفين: أن يجعل المسلم قضايا العدالة وحقوق المستضعفين في صلب اهتماماته الإيمانية؛ فالدين جاء لرفع الظلم وإرساء القسط.
استشعار معية الله للداعية: إدراك أن الآمر بالدعوة هو "ربك" العزيز القدير، فإذا انطلق الداعية بأمر ربه فلا يخشى مكر الجبابرة.