روى الطبري (19/381)مصدر غير محدد١٩/٣٨١ عن قتادة: {وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ} أي واجعلني يا رب ممن يورثهم الله دار كرامته وجنات الخلد التي ينعم فيها أولياؤه بالنظر إلى وجهه الكريم والخلود المقيم.
قال ابن كثير (6/153)مصدر غير محدد٦/١٥٣: "أي أنعم عليَّ في الدار الآخرة بجنة النعيم، واجعلني ممن يرثها ويخلد فيها؛ والجنة سُميت وراثة لأن أهلها ينالونها بفضل الله ورحمته كما يرث الوارث مال مورثه، أو لأنهم يرثون منازل أهل النار التي كانت لهم لو آمنوا".
روى ابن ماجه (4341) بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ: مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ؛ فَإِذَا مَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ وَرِثَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْزِلَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {أُولَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ}".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَاجْعَلْنِي}: الواو عاطفة، {اجْعَلْ}: فعل دعاء مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره (أنت)، والنون للوقاية والياء ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول.
{مِن}: حرف جر.
{وَرَثَةِ}: اسم مجرور بـ {مِن} وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وهو مضاف؛ والجار والمجرور في محل نصب مفعول به ثانٍ للفعل {اجْعَلْ}؛ و{وَرَثَةِ} جمع وارث.
{جَنَّةِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وهو مضاف.
{النَّعِيمِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة؛ وإضافة الجنة إلى النعيم إضافة بيانية وتخصيصية تفيد استغراقها لجميع ألوان النعيم الحسي والمعنوي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الشفاعة في أقرب الناس إليه طلباً لنجاته ({وَاغْفِرْ لِأَبِي}).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سر التعبير بـ {وَرَثَةِ} عن دخول الجنة:
إشكال: الجنة جزاء العمل الصالح، فلماذا عبر عنها بالوراثة؟
الجواب: التعبير بالوراثة من أبلغ وجوه الإعجاز القرآني؛ لأن الإرث ينتقل إلى الوارث حتماً بلا كلفة ولا رد، ونيل المؤمن للجنة هو استحقاق تفضلي وعده الله به وعداً لا يخلفه؛ وأيضاً لأن المؤمن يرث نصيب الكافر من الجنة حين يدخل الكافر النار، فصارت الجنة ميراثاً حقيقياً مستحقاً بفضل الله.
إضافة {جَنَّةِ} إلى {النَّعِيمِ}: للدلالة على أن النعيم هو الجوهر الثابت لتلك الدار، نعيم للقلوب بالأنس بالرحمن، ونعيم للأبصار بما لا عين رأت، ونعيم للأبدان بالخلود والصحة.
التعبير بـ {مِن وَرَثَةِ}: إشعار بالتواضع والتماس الدخول في زمرة عباد الله الفائزين، دون تزكية للنفس بالانفراد بالمنزلة.
تدبر عظم المطلب: الجنة هي الغاية التي شمر إليها الأنبياء وسالت لأجلها دماء الشهداء، فلا ينبغي للمؤمن أن تشغله حطام الدنيا الزائلة عن سؤالها والعمل لها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
علو الهمة في الدعاء: المؤمن لا يقتصر في دعائه على مطالب الدنيا الزائلة، بل يجعل أكبر همه ومبلغ علمه الفوز برضوان الله والجنة.
ربط العمل بالرجاء: سؤال الجنة يستلزم السير على صراط إبراهيم في البراءة من الشرك ومجاهدة النفس وإخلاص الدين لله.