روى الطبري (19/361)مصدر غير محدد١٩/٣٦١ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: {فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ} أي لحق فرعون وجنوده بموسى وبني إسرائيل في وقت شروق الشمس وطلوعها من مشرقها؛ يقال: أشرق القوم إذا دخلوا في وقت شروق الشمس، كأصبحوا وأمسوا؛ وكان بنو إسرائيل قد ساروا الليل كله حتى وصلوا إلى ساحل البحر الأحمر، فلما أشرقت الشمس تلألأت أسلحة جيش فرعون وخيوله، ورآهم بنو إسرائيل مقبلين كالسيل الجارف من ورائهم، والبحر من أمامهم.
قال ابن كثير (6/149)مصدر غير محدد٦/١٤٩: "أي لحقهم فرعون وجنوده وقت شروق الشمس؛ وكان خروج بني إسرائيل بالليل، فلما بزغت الشمس أدركهم الجيش الفرعوني العظيم؛ وكان ذلك في موضع ضيق حُصر فيه بنو إسرائيل بين البحر وأمواجه من أمامهم، وبين الجبال العاتية من جوانبهم، وجيش فرعون الجرار من خلفهم".
بين القرطبي (13/121)مصدر غير محدد١٣/١٢١: {مُّشْرِقِينَ} حال من فاعل "أتبعوهم"؛ أي أدركوهم داخلين في وقت الشروق، ليكون اللقاء مكشوفاً في وضح النهار لا يستتر فيه أحد، فتكتمل شروط المعجزة العيانية الكبرى.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَأَتْبَعُوهُم}: الفاء عاطفة تفيد التعقيب واللحوق، أتبعوهم فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل، والهاء مفعول به والميم للجمع؛ وأتبع في اللغة: لحق وأدرك، وضده تَبِعَ إذا سار في الأثر ولم يدرك بعد.
{مُّشْرِقِينَ}: حال منصوبة بالياء من واو الجماعة في "أتبعوهم" لأنه جمع مذكر سالم؛ اسم فاعل من أشرق الرباعي إذا دخل في وقت شروق الشمس وضوئها، مثل أصبح وأمسى وأظهر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التقاء الخيوط عند نقطة الصفر: هذا التوقيت الصباحي ({مُّشْرِقِينَ}) يجمع عناصر المشهد التراجيدي؛ انكشاف الرؤية التامة، ورؤية كل جمع لصاحبه بالعين المجردة، واكتمال الحصار الجغرافي القاتل؛ لتهيئة النفوس لصرخة الفزع الإسرائيلي في الآية التالية: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}.
التوافق مع مشهد يوم الزينة: كما كانت المناظرة الأولى في وضح النهار {وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى}، كانت المنازلة العسكرية الختامية في وضح النهار عند الشروق {مُّشْرِقِينَ}؛ ليكون إهلاك فرعون آية مشهودة للأولين والآخرين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
اجتماع أسباب الفناء والانسداد الحسي المطلق:
محاكمة تبرز عمق المأزق؛ الحسابات العسكرية البشرية كانت تقطع بهلاك بني إسرائيل بنسبة مئة بالمئة:
جيش نظامي مدجج بالسلاح والفرسان يقوده ملك جبار موتور يريد الانتقام لكبريائه.
شعب أعزل من العبيد والنساء والأطفال والشيوخ محاصرون أمام بحر لجي عميق لا يملكون سفناً ولا قوارب لعبوره.
انعدام أي منفذ للفرار براً بسبب الجبال والجيش المطبق.
هذا الانسداد الحسي التام كان هو المقدمة الحتمية لظهور المعجزة الربانية الخارقة؛ ليعلم الجميع أن النصر حين ينزل لا يكون بأسباب البشر بل بكن فيكون.
الدقة اللغوية بين "تَبِعَ" و"أَتْبَعَ": قراءة القرآن بـ {فَأَتْبَعُوهُم} بالقطع تدل على اللحوق والإدراك الحقيقي ورؤية العين، لا مجرد تتبع الأثر من بعيد.
التعبير بـ {مُّشْرِقِينَ}: يوحي بلمعان الدروع والسيوف واشتداد حرارة الخوف والترقب مع انبثاق نور الصباح.
تدبر التوقيت الإلهي: كيف يسوق الله الأقدار بدقة بالغة؛ يخرج بنو إسرائيل ليلاً، ويخرج فرعون وراءهم، ليلتقيا عند ساحل البحر في نفس الدقيقة التي تشرق فيها الشمس، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عدم اليأس عند إحكام حلقات الكرب: أن يوقن المؤمن بأن اشتداد الأزمة وتطويق الأعداء للمستضعفين ليس علامة على النهاية، بل هو علامة على قرب انفراج نصر الله.
الثبات في الساعات الحرجة: تدريب النفس على الصمود وعدم الاستسلام للهلع حين تبدو كل الأبواب مغلقة والمنافذ مسدودة.
الاعتبار بساعة الصباح: تذكر أن مع طلوع كل فجر وشروق كل شمس قد تتنزل أقدار إلهية تبدل موازين القوى في العالم من حال إلى حال.