روى الطبري (19/334)مصدر غير محدد١٩/٣٣٤ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ}؛ هذا استفهام إنكاري توبيخي تهكمي من موسى لفرعون، والمعنى: أتمن علي بأنك ربيتني وكفلتني طفلاً، والحال أنك استعبدت أمتي وقومي بني إسرائيل وذللتهم وسخرتهم بالمهن الشاقة وقتلت أبناءهم؟! وأي نعمة لواحد في مقابلة إبادة واستعباد أمة بأسرها؟! وما ألجأ أمي إلى إلقائي في اليم حتى التقطتموني إلا خوفاً من ذبحك وبطشك!
قال ابن كثير (6/141)مصدر غير محدد٦/١٤١: "أي وأي إحسان تمن به علي وأنت قد استعبدت شعباً كاملاً هم بنو إسرائيل؟! إن نجاتي وتربيتي عندكم إنما كانت ثمرة لجريمتك النكراء في ذبح أطفالهم؛ فلولا خوف أمي من سيفك لما وضعتني في التابوت ولما دخلت قصرك؛ فهل تجعل جريمتك سبباً للمن علي بالإحسان؟!".
بين القرطبي (13/102)مصدر غير محدد١٣/١٠٢: {عَبَّدتَّ} بتشديد الباء في قراءة الجمهور، وقرئ بتخفيفها؛ وتعبيدهم: اتخاذهم عبيداً واستخدامهم بالسخرة والقهر بغير حق؛ وموسى أسقط بذكائه وحجته كل مبررات المن الفرعوني في كلمة واحدة هزت أركان البلاط.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَتِلْكَ}: الواو عاطفة أو استئنافية، "تلك" اسم إشارة مبتدأ مبني على السكون في محل رفع، واللام للبعد والكاف للخطاب. والهمزة الاستفهامية الإنكارية مقدرة (أوتلك نعمة؟).
{نِعْمَةٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{تَمُنُّهَا}: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به، وجملة تمنها نعت لـ "نعمة". والمنّ: تعداد النعم على المنعَم عليه إحراجاً له وإظهاراً للتفضل.
{عَلَيَّ}: جار ومجرور متعلقان بـ "تمنها".
{أَنْ}: حرف مصدري ونصب.
{عَبَّدتَّ}: فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعل. والتعبيد: الاسترقاق والامتهان وتصيير الحر عبداً مقهوراً.
{بَنِي}: مفعول به منصوب بالياء، وبني مضاف.
{إِسْرَائِيلَ}: مضاف إليه مجرور بالفتحة ممنوع من الصرف. والمصدر المؤول (أن عبدت) في محل رفع بدل من "تلك"، أو خبر ثان، أو في محل جر بلام محذوفة (لأن عبدت بني إسرائيل).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ذروة الإفحام العقلي والمناظراتي: هذا الرد يمثل أعلى درجات البلاغة والمحاكمة السياسية والمنطقية؛ حيث نقل موسى المعركة ببراعة من خانة "المتهم بالجميل" إلى خانة "المدعي العام" الذي يحاكم فرعون على جريمة العصر في استعباد شعب بأكمله.
سد الباب أمام الاستدراج الشخصي: بهذا الجواب الصاعق حسم موسى الجدل حول شؤونه الشخصية وماضيه، ليعود بالحوار قسراً إلى القضية الكبرى: تحرير بني إسرائيل، وتوحيد رب العالمين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفكيك العلاقة بين الفساد المستشري والإحسان الانتقائي:
درس سياسي عميق في كشف زيف الأنظمة المستبدة؛ فالطغاة يقدمون بعض الإحسان الفردي أو المشاريع المظهرية لبعض الأشخاص، ثم يمنون بها ليل نهار ليتستروا على نهب حقوق الملايين وقهر الشعوب واستبدادها.
لا يمكن للعدالة أن تقبل تبييض جرائم الاستبداد العام بفتات من الإحسان الخاص؛ فاستعباد بني إسرائيل جريمة كبرى لا يغطيها إطعام طفل في القصر.
استعادة أصل المشهد (السبب والمسبب):
ذكاء موسى كشف المغالطة التاريخية لفرعون؛ فتربية موسى في القصر لم تكن تفضلاً طوعياً من فرعون بل كانت ناتجة عن بطشه الذي ألجأ أم موسى إلى اليم، فوقع فرعون في شر أعماله دون أن يشعر؛ فأين المنة؟!
الاستفهام الإنكاري المقدر {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ}: حذف همزة الاستفهام لدلالة السياق والتهكم، وهو أبلغ في التقريع والتبكيت من التصريح به.
التقابل الصارخ بين الفرد والأمة: وضع تربية شخص واحد {عَلَيَّ} في كفة، واستعباد وإذلال أمة كاملة {بَنِي إِسْرَائِيلَ} في كفة أخرى؛ لإبراز التفاوت الفظيع وسقوط حجة الخصم.
التعبير بالتضعيف {عَبَّدتَّ}: للإشارة إلى قسوة الاسترقاق وشموله واستمراره لأجيال متطاولة تحت سياط الجلادين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
مهارة المحاججة وإفحام الخصوم: تعلم فنون المناظرة الذكية بعدم الانجرار إلى مصائد الخصم، وتفكيك شبهاته بمنطق أخلاقي وعقلي لا يقبل الدحض.
نصرة الحقوق العامة على المصالح الشخصية: أن يقدم الداعية والمصلح مصلحة الأمة وحريتها وكرامتها على أي مكاسب شخصية أو عطايا خاصة ينالها من أهل السلطة.
فضح بروباغندا الظالمين: كشف زيف المظاهر التي يحاول الطغاة تلميع صورهم بها، والتذكير الدائم بالحقوق المسلوبة والمظالم الحقيقية القائمة في المجتمع.