روى الطبري (19/399)مصدر غير محدد١٩/٣٩٩ عن قتادة ومجاهد وابن عباس: {قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} أي فلما انقطعت حجتهم وأفحمهم نوح بالبيان الناصع، فزعوا إلى سلاح العاجز وهو التهديد بالقوة والبطش، فقالوا مقسمين: لئن لم تكفَّ وتنزجر يا نوح عما تدعونا إليه وعن سب آلهتنا لتكونن من المقتولين بالرجم بالحجارة، وقيل: من المرجومين بالسب والشتم واللعن.
قال ابن كثير (6/157)مصدر غير محدد٦/١٥٧: "أي: لئن لم ترجع عما أنت فيه وتترك دعوتك إيانا لتكونن ممن يرجمون بالحجارة حتى يموتوا؛ وهذا دأب الظلمة والمكذبين في كل زمان، إذا غُلبوا بالحجة لجأوا إلى القوة والبطش والإرهاب".
قال القرطبي (13/113)مصدر غير محدد١٣/١١٣: "الرجم: القتل بالحجارة وهو أشنع القتل؛ وكانوا يرجمونه حتى يغشى عليه، ثم يعافيه الله ويقوم فيدعوهم ثانية".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{تَنتَهِ}: فعل مضارع مجزوم بـ {لَّمْ} وعلامة جزمه حذف حرف العلة (الياء)، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره (أنت).
{يَا نُوحُ}: {يَا}: حرف نداء، {نُوحُ}: منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب؛ وجملة النداء اعتراضية للاعتناء بالخطاب.
{لَتَكُونَنَّ}: اللام واقعة في جواب القسم المقدر؛ {تَكُونَنَّ}: فعل مضارع ناقص مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم جواب القسم (وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه وفق القاعدة: إذا اجتمع قسم وشرط فالجواب للسابق منهما)؛ واسم تكون ضمير مستتر تقديره (أنت).
{مِنَ}: حرف جر.
{الْمَرْجُومِينَ}: اسم مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم؛ والجار والمجرور في محل نصب خبر {تَكُونَنَّ}؛ والمرجوم: من يُرمى بالرِّجام (وهي الحجارة) حتى يهلك.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
فلما رد عليهم نوح بالحجة الساطعة، وصلوا إلى طريق مسدود فشهرو سلاح الطغيان الأخير: التهديد بالقتل رمياً بالحجارة {لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ}؛ وهو الاعتراف الصريح بالهزيمة الفكرية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الرجم سلاح الجهل أمام نور النبوة:
المحاكمة العقلية: كلما عجز المبطل عن رد الدليل، فزع إلى تكميم الأفواه والتهديد بالقتل والتصفية الجسدية؛ وهذا تكرر مع إبراهيم ({لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا})، ومع أصحاب الكهف ({إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ})، ومع رسولي أنطاكية ({لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ})؛ فالرجم بالحجارة هو رمز القسوة والتوحش الذي يواجه به أهل الخرافة دعوة التوحيد العقلية.
تأكيد التهديد بثلاثة مؤكدات: القسم المقدر، واللام الموطئة، ونون التوكيد الثقيلة {لَتَكُونَنَّ}: للدلالة على بلوغ غيظهم وغطرستهم ذروتها.
التعبير بـ {مِنَ الْمَرْجُومِينَ} دون "لنرجمنك": إشارة إلى أن الرجم عندهم سنة ماضية وعقوبة مألوفة ينزلونها بكل من يخرج عن وثنيتهم وتقاليدهم، وكأن له عندهم سلفاً في التعذيب.
تدبر ثبات نوح: تسعمائة وخمسون عاماً وهو يواجه التهديد بالرجم والضرب والقتل، وما تزحزح عن إيمانه قيد أنملة؛ فأي يقين هذا الذي يحمله أولو العزم؟!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاستعداد للابتلاء في طريق الدعوة: طريق الأنبياء محفوف بالمكاره والتهديدات؛ والداعية الصادق يوطن نفسه على التضحية والصبر أمام عنجهية الباطل.
كشف حقيقة الاستبداد: الإرهاب الفكري والجسدي علامة ضعف لا علامة قوة؛ والمستبد يلجأ للبطش حين تسقط هيبته الفكرية والأخلاقية.