روى الطبري (19/388)مصدر غير محدد١٩/٣٨٨ عن قتادة ومجاهد: {تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} أي يحلف هؤلاء المشركون بالله تالله يميناً مؤكدة: إننا كنا في دار الدنيا لفي غواية وجهل وضلال ظاهر بين لا خفاء فيه ولا لبس.
قال ابن كثير (6/155)مصدر غير محدد٦/١٥٥: "يقسمون بالله معترفين على أنفسهم بالضلال المبين والجهل الفاحش حين سلكوا طريق الغواية وعموا عن صراط التوحيد المستقيم؛ وهذا اعتراف في وقت لا تنفع فيه المعذرة".
قال السعدي (ص 594)مصدر غير محدد٥٩٤: "أقسموا بالله على ضلالهم اعترافاً بجنايتهم وشهادة على أنفسهم بتمام الحجة الإلهية عليهم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{تَاللَّهِ}: التاء حرف قسم وجر مبني على الفتح مختص بلفظ الجلالة، {اللَّهِ}: لفظ الجلالة اسم مجرور بالتاء وعلامة جره الكسرة؛ والجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف تقديره (نقسم بالله).
{إِن}: مخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن محذوف (أو حرف نفي واللام بعده للإيجاب)، وأرجح الأوجه أنها مخففة من الثقيلة مهملة.
{كُنَّا}: فعل ماضٍ ناقص مبني على السكون، و(نا) ضمير متصل في محل رفع اسم كان.
{لَفِي}: اللام هي اللام الفارقة بين إن المخففة من الثقيلة وإن النافية؛ {فِي}: حرف جر للظرفية والاستيعاب.
{ضَلَالٍ}: اسم مجرور بـ {فِي} وعلامة جره الكسرة الظاهرة؛ والجار والمجرور في محل نصب خبر {كُنَّا}؛ ومجموع جملة كان واسمها وخبرها جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مقول القول للخصومة.
{مُّبِينٍ}: نعت لـ {ضَلَالٍ} مجرور بالكسرة؛ وهو اسم فاعل من أبان، أي ظاهر بين يكشف عن عوار مذهبه لكل ذي عينين.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الاعتراف الفوري بالهزيمة العقدية:
بدأوا خصومتهم بأعظم إقرار يقطع العذر: وهو الحلف بالاسم الأعظم على أنهم كانوا في ضلال فاضح؛ ولم يدافعوا عن معتقداتهم المزعومة ولا عن أصنامهم، بل انهار كل دفاع وحل محله الندم والحسرة المتفجرة بالقسم المغلظ.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
لماذا أقسموا بـ {تَاللَّهِ} ولم يقسموا بآلهتهم؟
محاكمة كاشفة: في الدنيا كانوا يحلفون باللات والعزى ومقدساتهم؛ فلما سقطت الأوهام في الآخرة تجردت المعرفة ولم يبق في نفوسهم أي تعظيم لتلك الأصنام المحروقة معهم، فعادوا إلى الفطرة وقسم التوحيد بـ {تَاللَّهِ}، معترفين بأن الله وحده هو العظيم الجدير بالقسم والتعظيم، ولكن بعد فوات الأوان.
تأكيد الجملة بثلاثة مؤكدات: القسم {تَاللَّهِ}، وإن المخففة {إِن}، واللام المزحلقة الفارقة {لَفِي}؛ للدلالة على رسوخ يقينهم بالضلال وشدة حسرتهم على ما فات.
التعبير بحرف الظرفية {فِي ضَلَالٍ}: تصوير للضلال وكأنه وادٍ عميق مظلم انغمسوا فيه وأحاط بهم من كل جانب حتى غرقوا في قعره.
وصف الضلال بـ {مُّبِينٍ}: اعتراف بأنه لم يكن ضلالاً غامضاً أو شبهة دقيقة يعذر صاحبها، بل كان واضح البطلان لا يخفى إلا على من أعمى الله بصيرته.
تدبر وضوح الحق: الحق بين والباطل بين؛ ومن اختار الضلال في الدنيا باختياره فسيصرخ في الآخرة مقسماً على غبائه وجهله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شجاعة التراجع في دار العمل: خير للعبد أن يعترف بضلاله وخطئه اليوم في الدنيا ويتوب إلى ربه، من أن يصر ويكابر حتى يقسم على ضلاله في قعر النيران.
خطورة تزيين الباطل: قد يزين شياطين الإنس والجن الضلال ويسمونه "تطوراً" أو "حرية" أو "تراثاً"، ولكنه في ميزان الحقيقة ليس إلا ضلالاً مبيناً يورث العذاب الأليم.