روى الطبري (19/347)مصدر غير محدد١٩/٣٤٧ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: {قَالَ نَعَمْ} لكم الأجر الذي تطلبون وزيادة، {وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} أي ولم يقتصر على بذل المال بل زادهم ما هو أعظم عند طلاب الدنيا: القرب من العرش الملكي، والمناصب السياسية العليا، والجلوس معه في مجلس الحكم؛ لتكونوا من بطانتي وخاصتي وحاملي أوسمة الدولة!
قال ابن كثير (6/145)مصدر غير محدد٦/١٤٥: "بذل لهم فرعون ما سألوا وزادهم عليه، فوعدهم بالعطاء والصلات، ووعدهم بالقرب والمكانة الرفيعة والجاه؛ إغراءً لهم ببذل أقصى طاقاتهم في مواجهة موسى وإبطال أمره".
بين القرطبي (13/112)مصدر غير محدد١٣/١١٢: الطغاة عند شعورهم بالخطر الوجودي يفتحون خزائن أموالهم ويوزعون المناصب والنياشين بسخاء لإنقاذ عروشهم، مستعدين لدفع أي ثمن لإسكات صوت الحق.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَالَ}: فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره هو (فرعون).
{نَعَمْ}: حرف جواب وتصديق مبني على السكون، أي نعم لكم الأجر الذي سألتموه.
{وَإِنَّكُمْ}: الواو عاطفة، إن حرف توكيد ونصب، والكاف اسمها والميم للجمع.
{إِذًا}: حرف جواب وجزاء مبني على السكون لا عمل له، أي حين غلبتكم لموسى.
{لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ}: اللام المزحلقة للتوكيد، ومن المقربين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر "إن"، والمقربين جمع مقرب اسم مفعول من قرّب يقرّب، أي المقربين إلى مجلسي ونديم ملكي وسلطاني. والجملة مقول القول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
مضاعفة المكافأة من المال إلى الجاه والسلطة: السحرة سألوا عن {أَجْرًا} (المال المجرد)، فأجابهم فرعون بـ {نَعَمْ} وزادهم ما لم يخطر ببالهم: {وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ}؛ ليرفع دافعيتهم إلى أعلى درجات الاستماتة في المنازلة.
رسم معالم التحالف بين الاستبداد ورجال الدجل: المشهد يصور التحالف الشيطاني الدائم بين الدكتاتور وبين المتكسبين بالباطل؛ يمنحهم الحاكم المال والنفوذ، ويمنحونه في المقابل تزييف الوعي وتثبيت سلطانه على الجماهير.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
رخص الذمم في أسواق التبعية:
محاكمة تكشف كيف يشتري المستبد ذمم الخبراء ورجال الفن والدعاية؛ فالقرب من السلطان هو العملة الكبرى التي تسيل لها لعاب النفعيين، لتوظيف معارفهم في خداع الشعوب وسحق دعاة الإصلاح.
خيبة الرجاء الفرعوني وسرعة تبدد الوعود:
هذا الوعد بالقرب والمكانة تهاوى في لحظات؛ وتحول نفس هذا الوعد بعد قليل إلى وعيد مروع بتقطيع الأيدي والأرجل والصلب في جذوع النخل؛ مما يبرهن على غدر الطواغيت وتقلبهم، وأن من اعتز بجاههم كان جزاؤه الهوان.
الإيجاز الحاسم بـ {نَعَمْ}: قطع سريع للتردد واستجابة فورية لمطلبهم دون مماكسة؛ لإظهار كرم الملك وسطوته ولتطمين قلوبهم.
التوكيدات الثلاثة المتوالية في {وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ}: التوكيد بـ "إن"، واللام المزحلقة، وصيغة الجمع مع حرف الجزاء "إذا"؛ لإغداق الطمأنينة عليهم.
تدبر زوال مقاعد القرب الفانية: السحرة بعد دقائق استبدلوا قرب فرعون الزائل، بنيل القرب الحقيقي من رب العالمين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من بريق المناصب وأعتاب الحكام: أن يحذر العلماء وحملة الأقلام من فتنة "القرب من السلطان"؛ فإن بريق الجاه والمناصب قد يسلب العالم دينه ومصداقيته.
إدراك غدر الطغاة بأعوانهم: تذكير كل من يخدم الظالمين بأن المستبد لا يفي بوعوده إذا تعارضت مع بقاء كرسيه، وأنه مستعد للتضحية بأخلص خدامه عند أول منعطف.
التنافس على القرب من الله: توجيه الهمة إلى طلب القرب الحقيقي والمنزلة الرفيعة عند الله بالتقوى وصالح العمل؛ فالقرب من الله هو الشرف الذي لا يزول.