روى الطبري (19/416)مصدر غير محدد١٩/٤١٦ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي: {قَالَ هَٰذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ} قالوا: دعا صالح ربه، فانشقت الصخرة العظيمة التي عينوها بالحجر، فخرجت منها ناقة كوماء عشراء على النعت والصفة التي طلبوها، ثم وضعت فصيلها أمامهم؛ فقال لهم صالح: هذه آية الله التي سألتموها؛ هذه ناقة الله، لها نوبة في شرب ماء البئر يوماً معلوماً تشرب فيه ماء البئر كله وتمنحكم لبنها فيكفي جميع القبيلة، ولكم نوبة شرب يوم آخر معلوم لا تقرب الناقة فيه الماء؛ فكانوا يقتسمون الماء يوماً بيوم.
قال ابن كثير (6/160)مصدر غير محدد٦/١٦٠: "أي هذه الناقة التي سألتموها قد أخرجها الله لكم من الصخرة، وجعل لها قسوة في الماء؛ تشرب يوماً الماء كله وتغدق عليهم لبناً عظيماً يشربون منه ويدخرون، ويوم لهم يستقون منه حاجتهم وحاجة مواشيهم وزروعهم".
قال القرطبي (13/120)مصدر غير محدد١٣/١٢٠: "الشِّرْبُ (بكسر الشين): الحظ والنصيب من الماء؛ فجعل الله قسمة الماء بينهم وبينها امتحاناً لصبرهم وطاعتهم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَالَ}: فعل ماضٍ، وفاعله مستتر (صالح).
{هَٰذِهِ}: الهاء للتنبيه، (ذه) اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ؛ والإشارة للناقة الحاضرة أمام أعينهم عياناً.
{شِرْبٌ}: مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة؛ والجملة الاسمية {لَّهَا شِرْبٌ} في محل رفع نعت لـ {نَاقَةٌ}؛ والشِّرْبُ: النصيب والنوبة المعينة من الماء.
{شِرْبُ}: مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف.
{يَوْمٍ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{مَّعْلُومٍ}: نعت لـ {يَوْمٍ} مجرور بالكسرة؛ أي يوم معين لا يتغير ولا يُعتدى فيه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
مطابقة الجواب لطلب التعجيز وإقامة الحجة الباهرة:
طلبوا آية تعجيزية ({فَأْتِ بِآيَةٍ})، فأتاهم صالح بالآية العينية الحية المشاهدة فوراً وبأعجب ما طلبوا: {هَٰذِهِ نَاقَةٌ}؛ لتقوم عليهم حجة الله الدامغة، ثم قرن ظهور المعجزة بقانون تنظيمي للعدالة المائية والاختبار الإلهي: قسمة ماء البئر بين القبيلة كلها وبين هذه الناقة المفردة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإعجاز المتجدد في ناقة صالح:
محاكمة إعجازية: لم تكن الناقة معجزة في لحظة خروجها من الصخر فقط، بل كانت معجزة حية يومية متجددة تسير بينهم:
شربها لماء البئر كله في يومها دليل على عظم خلقتها الخارجة عن المألوف.
إمدادها للقبيلة كلها باللبن الصافي في يوم شربها تعويضاً لهم عن الماء، فكانت نعمة اقتصادية وبركة ظاهرة.
استسلام الحيوانات والدواب لها وخوفها من هيبتها.
فكانت آية باهرة تدعو للعجب والشكر، لا للعقر والتكذيب!
الإشارة الحاضرة بـ {هَٰذِهِ نَاقَةٌ}: قمة الوضوح واليقين؛ ها هي المعجزة التي طلبتموها تجسدت أمام أعينكم فماذا أنتم فاعلون؟!
إفراد الناقة في كفة وقبيلة ثمود كلها في كفة: {لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ}؛ إشعار بعظم قدر هذه الناقة عند الله وتكريمها، وأنها آية الله المعظمة.
تدبر فخ الامتحان: الابتلاء قد يأتي في صورة مشاركة في مورد مادي كالماء؛ ليظهر الصادق المسلِّم من الجشع المستكبر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تعظيم شعائر الله: الناقة كانت من شعائر الله العظيمة، وحرمتها مستمدة من أمر الله بحمايتها؛ وهكذا كل ما عظمه الشرع يجب على المسلم توقيره وصيانته.
العدالة في توزيع الموارد: قسمة الماء يوماً بيوم أرست مبدأ احترام الحصص المقررة شرعاً وعدم التعدي على حقوق الآخرين.