روى الطبري (19/377)مصدر غير محدد١٩/٣٧٧ عن قتادة: {وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ} أي هو الذي يقبض روحي في الدنيا إذا انقضى أجلي، ثم يحييني بالبعث والنشور يوم القيامة للحساب والجزاء، لا يقدر على ذلك أحد غيره.
قال ابن كثير (6/152)مصدر غير محدد٦/١٥٢: "أي هو المتصرف في الإحياء والإماتة، لا يقدر على ذلك أحد سواه؛ فإنه يحيي ويميت، ثم يعيد الخلائق بعد موتهم ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى".
قال الرازي (24/141)مصدر غير محدد٢٤/١٤١: "انتقل الخليل من نعم الدنيا (الخلق، الهداية، الرزق، الشفاء) إلى خاتمة الدنيا وبداية الآخرة؛ ليدلهم على أن الملك لله بدايةً ونهاية، وأن المعبود الحق هو الذي بيده مصير الخلائق المحتوم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَالَّذِي}: الواو عاطفة، {الَّذِي}: اسم موصول معطوف في محل نصب.
{يُمِيتُنِي}: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل ضمير مستتر تقديره (هو)، والنون للوقاية والياء مفعول به؛ والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد الترتيب مع التراخي الزمني؛ للدلالة على مدة البرزخ الطويلة بين موت الإنسان وبعثه للحساب.
{يُحْيِينِ}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة للفواصل والرسم، والفاعل مستتر تقديره (هو)، والنون للوقاية والياء المحذوفة مفعول به؛ والجملة معطوفة بـ {ثُمَّ} على صلة الموصول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تدرج الأطوار الوجودية للإنسان:
نظم إبراهيمي معجز رتب أطوار المخلوق ترتيباً بديعاً:
الخلق والهداية ({خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ}).
استمرار الحياة بالرزق ({يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ}).
دفع الآفات الصحية ({وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}).
نهاية الأجل بالموت ({يُمِيتُنِي}).
النشأة الثانية بالبعث ({ثُمَّ يُحْيِينِ}).
فاكتملت دورة الحياة والموت بأسرها تحت قبضة رب العالمين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سقوط دعوى النمروذ في محاجة إبراهيم:
كان النمروذ قد زعم كذباً: {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} بقتل إنسان والعفو عن آخر، فبين إبراهيم هنا أن الإماتة والإحياء الحقيقيين هما نزع الحياة الواقعية وخلقها من جديد بعد الفناء؛ وهذا ما تعجز عنه جميع البشرية والملائكة والجن فضلاً عن أصنام لا تملك نقيراً.
استعمال {ثُمَّ} دون الفاء: للإشارة إلى التراخي الزمني والمهلة الطويلة في القبر والبرزخ إلى أن يأذن الله بنفخة البعث والنشور، بخلاف الهداية والشفاء حيث استعمل الفاء للتعقيب والسرعة.
ترك ضمير الفصل {هُوَ} هنا: اكتفاءً بما سبق، ولأن الإماتة والإحياء أفعال عظيمة لا ينازع في أصل خلقها إلا مكابر ساقط الحجة، بخلاف الرزق والشفاء والهداية حيث قد يلتبس الأمر على ضعاف العقول بالأسباب الظاهرة.
تدبر حتمية الموت والبعث: اليقين بأن الموت بوابتك إلى الله، وأن الإحياء هو لقاؤك به، يقلب موازين الحياة ويجعل رضاه الغاية الوحيدة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ترسيخ عقيدة اليوم الآخر: لا يستقيم التوحيد في قلب العبد حتى يؤمن إيماناً جازماً بالبعث والنشور ويحسب للموت حسابه.
التحرر من الخوف من الموت: من علم أن الذي يميته هو ربه الرحيم الحكيم، لم يجزع من الموت، بل استعد له بصالح العمل ليفرح بحياة البعث والكرامة.