معجزة انفلاق البحر اثني عشر طريقاً يابساً كالطود في الآثار:
روى الطبري (19/363)مصدر غير محدد١٩/٣٦٣ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: لما قال موسى: {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}، أوحى الله إليه في الحال: {أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ}؛ فضرب موسى البحر بعصاه ضربة واحدة؛ فانفلق البحر وتفرقت مياهه اثني عشر طريقاً يبساً على عدد أسباط بني إسرائيل، وقام الماء على جانبي كل طريق جداراً متماسكاً كالجبل العظيم؛ {فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} أي كالجبل الشامخ الراسي، وجعل الله بين تلك الطرق كوى ونوافذ يرى بعضهم بعضاً ويسمعون أصواتهم لئلا يخافوا، ويبست الأرض تحت أقدامهم في الحال من غير وحل ولا طين!
قال ابن كثير (6/150)مصدر غير محدد٦/١٥٠: "{فَانفَلَقَ} أي انشق البحر؛ وكان كل فرق، أي كل جانب من الماء المنفلق، {كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} والطود هو الجبل الشامخ العظيم في لغة العرب؛ فوقف الماء السيال بقدرة الله جدراناً صلبة كالصخور، وأمر الله الريح فجففت قاع البحر فصار طريقاً يبساً كما قال تعالى: {فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ}".
بين القرطبي (13/122)مصدر غير محدد١٣/١٢٢: انفلاق البحر من أعظم المعجزات الحسية في تاريخ البشرية؛ حيث عُطلت خاصية السيولة والجاذبية في ملايين الأطنان من المياه، فوقفت أمواج البحر كالجبال الشاهقة الراسية بأمر خالقها.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
يحاول بعض الملاحدة والمستشرقين تفسير الحادثة بأنها ظاهرة مد وجزر طبيعية، أو هبوب رياح قوية كشفت جزءاً ضحلاً من الماء.
هذا التأويل المادي يتهاوى أمام صريح النص القرآني والتاريخي؛ فالمد والجزر لا يقسم البحر إلى اثني عشر طريقاً يبساً، ولا يجعل الماء يقف عمودياً كالجبال الشامخة الراسية ({كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ}) على جانبي الطرق، ثم ينطبق في لحظة واحدة لإغراق جيش كامل!
الحادثة معجزة ربانية خارقة لنواميس الطبيعة وقوانين الهيدروليكا، أراد الله بها إظهار سلطانه المطلق على خلقه.
حكمة الضرب بالعصا:
الله قادر على فلق البحر بلا ضرب ولا عصا، ولكنه أمر موسى بالضرب بالعصا تعليماً للعباد بضرورة مباشرة السبب المأمور به شرعاً ولو كان في غاية الضعف (عصا خشبية تضرب بحراً لُجياً)، لتتجلى قدرة مسبب الأسباب سبحانه.
التشبيه البليغ المروع {كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ}: تشبيه قطعة الماء السيال بالجبل الصخري الراسي الشامخ؛ لإبراز كمال تماسك الماء وثباته بقوة الإرادة الإلهية.
الدقة في لفظ {فِرْقٍ}: الفِرق بالكسر للجزء المنفصل، والفَرْق بالفتح للمصدر؛ فاختار الفِرق للدلالة على الكتلة المائية المتجسدة.
تدبر تحول العدو إلى حامٍ: البحر الذي كان يبدو في عيون بني إسرائيل عدواً يمنعهم من النجاة، تحول بأمر الله إلى حصن وجدران تحميهم وطريق يابس يسيرون عليه بأمان!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
بذل السبب المتاح وإن بدا ضعيفاً: أن يبذل المسلم ما في وسعه من الأسباب وإن كانت متواضعة (كضربة العصا)، ويفوض أمره إلى الله الذي يفتح بها أبواب المعجزات.
اليقين بقدرة الله على خرق العادات: تعميق الإيمان بأن الله سبحانه رب القوانين ومجريها؛ فإذا شاء عطل خواص المادة وقلب البحر طريقاً يابساً ونصر عباده الضعفاء.
استحضار فضل يوم عاشوراء: تذكر أن هذا اليوم العظيم هو اليوم الذي نجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فرعون، فصامه النبي صلى الله عليه وسلم شكراً لله، وأمر بصيامه ليبقى حياً في وجدان الأمة.