روى الطبري (19/371)مصدر غير محدد١٩/٣٧١ عن السدي وقتادة: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ} أي اذكر حين قال إبراهيم لأبيه آزر ولقومه من عبدة الأوثان: أيّ شيء تعبدون من هذه الأجساد والأحجار المنحوتة؟ وسؤالهم لم يكن لطلب الفهم أو الجهل بحالهم، بل على وجه التقريع والتبكيت وإلزامهم بالاعتراف بعجز معبوداتهم.
قال ابن كثير (6/151)مصدر غير محدد٦/١٥١: "قال إبراهيم لأبيه وقومه منكراً عليهم: ما الذي تعبدونه؟ وهذا استفهام إنكار وتصغير لشأن ما يعبدون، ليعترفوا بألسنتهم فيقعوا في حرج المحاجة العقلية".
قال ابن عاشور (19/137)مصدر غير محدد١٩/١٣٧: "افتتح إبراهيم مناظرته بالسؤال عما يعبدون توطئةً لإظهار فساد عبادتهم بالدليل الإلزامي، ليكون جوابهم منطلقاً للمحاجة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِذْ}: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمحذوف تقديره (اذكر إذ قال)، أو متعلق بـ {نَبَأَ}.
{قَالَ}: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر جوازاً تقديره (هو) عائد على إبراهيم.
{لِأَبِيهِ}: اللام حرف جر، {أَبِيهِ}: اسم مجرور بالياء لأنه من الأسماء الستة (أو الخمسة)، والهاء ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه؛ والجار والمجرور متعلق بالفعل {قَالَ}.
{وَقَوْمِهِ}: الواو عاطفة، {قَوْمِهِ}: اسم معطوف على أبيه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والهاء مضاف إليه.
{مَا}: اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم للفعل {تَعْبُدُونَ}، أو في محل رفع مبتدأ وخبره الجملة الفعلية؛ والاستفهام هنا إنكاري تحقيري.
{تَعْبُدُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل؛ والجملة في محل نصب مقول القول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تقديم الأب على القوم:
بدأ إبراهيم بأبيه {لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ}؛ تأكيداً على تقديم الأقرب فالأقرب في البلاغ والدعوة عملاً بقاعدة بر الوالدين والحرص على نجاتهما، ولأن الأب رأس الأسرة ومنبثق العشيرة، ثم عطف القوم للدلالة على شمول البلاغ لجميع مكونات المجتمع.
إيقاع السؤال المفاجئ: نقل الخطاب من التجريد الفكري إلى التعيين الحسي المباشر لحصر المشرك في دائرة تفتيش ما يعبد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة السؤال عما يعلم السائل حقيقته:
قد يقال: إبراهيم كان يعلم أنهم يعبدون الأصنام، فلماذا سألهم {مَا تَعْبُدُونَ}؟
الجواب: هذا السؤال هو الخطوة الأولى في فن المناظرة الاستدراجية (الإلزام بالإقرار)؛ فالخصم حين ينطق بنفسه ويسمي ما يعبده، يصبح مقيداً بما صرح به، وتسهل محاكمته بناءً على أوصاف المسمى الذي نطق به، فلو بادر إبراهيم بالسب أو الإنكار المباشر لتشنجوا وعاندوا، لكنه استدرجهم بمساءلة هادئة تدفعهم إلى التفكير في ماهية معبودهم.
الإيجاز في السؤال بـ {مَا}: استعمال {مَا} الموضوعة لما لا يعقل تحقيراً لآلهتهم وإشارة إلى جمودها وفقدانها للحياة والإدراك، ولو أراد تعظيمها لقال: "مَن تعبدون".
براعة الاستهلال الحواري: التدرج في تفكيك قناعات المخاطبين بالبدء بأوضح نقطة ضعف يدركونها.
تدبر أدب الخطاب: الجمع بين الإنكار القاطع للباطل والأسلوب الرفيع في المحاورة دون فظاظة تسد أبواب السماع.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
فقه التدرج في الدعوة: يجب على الداعية أن يبدأ بطرح الأسئلة الكاشفة التي تحرك العقول الراكدة وتوقظ الضمائر الغافلة، لا بالاكتفاء بإطلاق الأحكام الجاهزة.
بر الوالدين لا يعني مداهنتهم في العقيدة: إبراهيم يبدأ بأبيه محبةً لنجاته مع الصدع بالتوحيد دون مساومة.