روى الطبري (19/402)مصدر غير محدد١٩/٤٠٢ عن قتادة ومجاهد: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} أي وإن ربك يا محمد لهو القوي العزيز الذي انتقم من قوم نوح بعزته وجبروته فأغرقهم بالطوفان، الرحيم بنوح ومن معه حيث نجاهم برحمته في الفلك المشحون واستبقى نسلهم في الأرض.
قال ابن كثير (6/157)مصدر غير محدد٦/١٥٧: "العزيز الذي لا يغالب ولا يرام، الرحيم بمن أطاعه واتبع رسله؛ فجمع بين صفتي الجلال والجمال، والانتقام والإنعام".
قال السعدي (ص 596)مصدر غير محدد٥٩٦: "بعزته أغرق أولئك الطغاة، وبرحمته حمل الموحدين على الماء؛ وهكذا تتجلى عزة الله ورحمته في كل أطوار الكون".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}: إعرابها متطابق مع إعراب الآيتين (68 و104)؛ إن واسمها وخبرها الأول {الْعَزِيزُ} وخبرها الثاني {الرَّحِيمُ}، واللام مزحلقة، وهو ضمير فصل (أو مبتدأ)، والكاف مضاف إليه في محل جر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
مسك الختام لقصة نوح عليه السلام:
ختمت قصة نوح بما ختمت به القصص السابقة؛ لربط خاتمة قصة نوح برعاية النبي صلى الله عليه وسلم بوصف {رَبَّكَ}؛ للتأكيد على أن رب محمد هو رب نوح، سيعزه وينصره على كفار مكة ويرحم أتباعه المستضعفين كما رحم أصحاب الفلك المشحون.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تناسق العزة والرحمة في مشهد الطوفان:
محاكمة قلبية: قد يتوهم ضعيف البصيرة قسوة في غرق العالم بالطوفان؛ فيأتي الختام {الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} ليبين أن إغراق الظالمين المستكبرين الذين يهددون بالرجم ويفسدون الأرض هو عين الرحمة بالمؤمنين وبالبشرية التي ستأتي من بعدهم؛ فعزته ردعت الظلم، ورحمته حفظت الإيمان؛ فالحكمة تقتضي استئصال الورم الخبيث ليبقى الجسد حياً معافى.
عود الضمير في {رَبَّكَ}: خطاب مفعم بالحب والرعاية والتثبيت لقلب النبي صلى الله عليه وسلم.
تأكيد الحصر بضمير الفصل {لَهُوَ}: لتقرير أن كمال العزة التامة والرحمة الواسعة منحصر في الله رب العالمين وحده لا ينازعه فيهما منازع.
تدبر فواصل الشعراء: هذا الإيقاع الرتيب يعلم النفس المسلمة كيف تنظر إلى التاريخ وأحداثه من خلال نافذة الأسماء والصفات الإلهية، فلا ترى في سقوط الطواغيت إلا تجلي العزة، ولا ترى في نجاة الصالحين إلا فيض الرحمة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثقة المطلقة في نصر الله: على المسلم المستضعف أن يطمئن قلبه بأن ربه عزيز لا يعجزه طاغية، رحيم لا ينسى عبداً توكل عليه واستنصره.
الجمع بين الرجاء والهيبة: استحضار اسم "العزيز" يورث في القلب خشية ومهابة ومراقبة، واستحضار اسم "الرحيم" يفيض في الروح رجاءً وشوقاً ومحبة لله رب العالمين.