روى الطبري (19/417)مصدر غير محدد١٩/٤١٧ عن قتادة وابن عباس ومجاهد والسدي: {فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ} قالوا: انتدب لعقرها أشقى ثمود قُدار بن سالف في تسعة رهط، فكمنوا لها عند مورد الماء، فرماها أحدهم بسهم، ثم شد عليها قدار فعقرها بسيفه ونحرها واقتسموا لحمها؛ وأسند الله العقر إلى جميع ثمود {فَعَقَرُوهَا} لأنهم رضوا بفعله وظاهروه وأمروه؛ فلما رأوا علامات العذاب أصفرت وجوههم في اليوم الأول، ثم احمرت في اليوم الثاني، ثم اسودت في اليوم الثالث، فأيقنوا بالهلاك فأصبحوا نادمين على عقرها ندامة العاجز حيث لا تنفع الندامة.
قال ابن كثير (6/161)مصدر غير محدد٦/١٦١: "باشر عقرها قدار بن سالف وهو أشقى ثمود، كما قال تعالى: {إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا}؛ ولكن لما كان عقرها عن ملأ منهم ورضا الجميع عُدوا جميعاً عاقرين، ونالهم العذاب جميعاً".
قال القرطبي (13/120)مصدر غير محدد١٣/١٢٠: "العقر: ضرب قوائم البعير بالسيف ليسقط ثم ينحر؛ وندمهم كان نداماً بعد معاينة العذاب، وتلك ندامة لا تقبل لأنها ندامة اضطرار وفوات أوان".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَعَقَرُوهَا}: الفاء عاطفة تفيد التعقيب لبيان تمردهم بعد النهي؛ {عَقَرُوا}: فعل ماضٍ مبني على الضم، والواو فاعل، والهاء مفعول به؛ والعَقْرُ في الأصل: جرح قوائم الدابة لمنعها من الحركة ثم نحرها.
{فَأَصْبَحُوا}: الفاء عاطفة للترتيب؛ {أَصْبَحُوا}: فعل ماضٍ ناقص من أخوات كان، والواو ضمير متصل اسمها؛ وتفيد الدخول في الصباح أو التحول والصيرورة.
{نَادِمِينَ}: خبر {أَصْبَحُوا} منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم؛ والندم: حسرة القلب وألمه على فعل ماضٍ يود لو لم يفعله.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وقوع المحذور وانقلاب الجبروت إلى ندم خانق:
حذرهم هود: {وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ}، فعصوا وباشروا أبشع المساس: {فَعَقَرُوهَا}، فترتب عليه الجزاء النفسي الفوري: {فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ}؛ قبل أن يأتيهم الجزاء الحسي بالاستئصال في الآية التالية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شمول العقوبة للجميع بجريرة الرضا بالمنكر:
محاكمة فقهية واجتماعية عظيمة: الذي ضرب الناقة بالسيف ونحرها هو رجل واحد (قُدار بن سالف)؛ فلماذا قال القرآن: {فَعَقَرُوهَا} بصيغة الجمع، ولماذا عذب الله الأمة كلها؟!
القاعدة العقدية والاجتماعية الكبرى: "الراضي بالمعصية كفاعلها"؛ فقدار لم يقدم على عقرها إلا بعد تفويض وتأييد من رؤوس القوم ورضا صامت من عامتهم، ولم ينكر عليه أحد؛ فاستحق المجتمع كله عقوبة التواطؤ والسكوت على المنكر؛ كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إِنَّمَا عَقَرَ نَاقَةَ ثَمُودَ رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَعَمَّهُمُ اللَّهُ بِالْعَذَابِ لَمَّا عَمُّوهُ بِالرِّضَا؛ فَقَالَ تَعَالَى: {فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ}".
استعمال {أَصْبَحُوا نَادِمِينَ}: دلالة على سرعة تحول مشاعرهم من البطر والنشوة إلى الرعب والندامة الخانقة بمجرد شروق شمس اليوم الموعود.
تدبر الندم الفائت: الندم إذا كان بعد نزول العذاب ومعاينة الموت لا قيمة له في ميزان التوبة؛ لأن التوبة مقبولة ما لم يغرغر العبد أو تطلع الشمس من مغربها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
خطورة السكوت على المنكرات العامة: إذا ظهر المنكر في الأمة ولم يُنكر، عمهم الله بعقاب من عنده؛ فصيانة الأمة تكون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
المبادرة بالتوبة قبل فوات الأوان: إياك أن تسوف التوبة حتى يفجأك الموت أو ينزل بك البلاء فتقول نادماً: "يا ليتني"، فلن ينفعك الندم حينئذ.