تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 372)جامع البيانالطبري١٣/٣٧٢: يروي الطبري بإسناده عن مجاهد والسدي وقتادة وابن عباس أن المراد بـ {الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ} هم الملائكة المقربون، وحملة العرش ومن حوله؛ أخبر الله تعالى عنهم أنهم لا يستكبرون ولا يتعاظمون عن طاعة الله وعبادته، بل هم دائبون على تسبيحه ليلاً ونهاراً لا يفترون، وله وحده يخصون السجود خضوعاً واستكانة؛ استنهض الله بذلك همم بني آدم للاقتداء بهم، وزجر المشركين والمستكبرين الذين يأنفون من عبادة الله وسجودهم له؛ فإذا كان هؤلاء الملائكة الأبرار مع عظم خلقهم وعلو مكانتهم لا يستكبرون عن العبادة، فما بال الإنسان الضعيف يستكبر عن طاعة ربه؟!
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 548)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٥٤٨: يؤكد ابن كثير أن الله تعالى نبه عباده بذكر عبادة الملائكة الكرام على الاقتداء بهم في كثرة الطاعة والابتهال والسجود، وردع الكفار عن الاستكبار؛ ولهذا شرع السجود عند تلاوة هذه الآية الكريمة للتأسي بالملائكة المقربين.
حكم سجود التلاوة في الآية: هذه السجدة هي أول سجدة في ترتيب المصحف الشريف بإجماع العلماء؛ وقد اتفق أئمة الفتوى على استحباب سجود التلاوة عندها لمن قرأها أو استمع إليها؛ وجاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله - وفي رواية أبي كريب: يا ويلي - أُمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمرت بالسجود فعصيت فلي النار».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{عِندَ رَبِّكَ}: عندية القرب والمكانة والتشريف والشرف والكرامة في الملأ الأعلى، وليست عندية حيز ومكان ومسافة مادية تحيط بالذات الإلهية؛ فالله متعالٍ فوق عرشه بائن من خلقه.
{لَا يَسْتَكْبِرُونَ}: السين والتاء للطلب والتوكيد، أي لا يتعاظمون ولا يأنفون ولا يمتنعون عن خضوع العبودية.
{وَيُسَبِّحُونَهُ}: التسبيح هو التنزيه المطلق لله تعالى عن كل نقص وعيب ومماثلة للمخلوقين، مع الثناء عليه بنعوت الجلال والجمال.
{وَلَهُ يَسْجُدُونَ}: السجود هو غاية التذلل والخضوع بوضع أشرف ما في الجسد (الجبهة) على الأرض للرب المتعال.
الإعراب والتركيب:
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب مبني على الفتح.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل نصب اسم إن.
{عِندَ}: ظرف مكان منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، متعلق بمحذوف صلة الموصول لا محل لها.
{رَبِّكَ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والكاف ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه.
{لَا}: حرف نفي.
{يَسْتَكْبِرُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر إن.
{عَنْ عِبَادَتِهِ}: جار ومجرور متعلقان بـ (يستكبرون)، والهاء مضاف إليه.
{وَيُسَبِّحُونَهُ}: الواو عاطفة، يسبحونه فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والهاء مفعول به، والجملة معطوفة على خبر إن.
{وَلَهُ}: الواو عاطفة، اللام حرف جر، والهاء ضمير متصل في محل جر، والجار والمجرور متعلقان بـ (يسجدون) قُدما لإفادة الحصر والاختصاص.
{يَسْجُدُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة معطوفة على ما قبلها.
القراءات المتواترة:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على القراءة المعتمدة دون خلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التناسب الإعجازي بين فاتحة السورة وخاتمتها:
بدأت سورة الأعراف بقصة خلق آدم، وجريمة إبليس الكبرى التي طُرد بها من رحمة الله وهي الاستكبار عن أمر الله والامتناع عن السجود: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [الأعراف: 12]؛ فكان الكبر رأس كل فتنة وأصل كل شقاء.
وجاء ختام السورة بأبدع تناسب وبراعة مقطع حيث قرر الله تعالى أن المقربين من الملائكة بريئون من داء إبليس: {إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ}؛ فيخر القارئ والمستمع لله ساجداً في ختام السورة، معلناً مباينته ومفارقته لمسلك إبليس المستكبر، وانخراطه في سلك الملائكة الأبرار الساجدين المسبحين!
هذا التلاحم المطلق بين المبدأ والمنتهى هو قمة الإعجاز النظمي في القرآن الكريم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الحلول والاتحاد وتوهم المكان المحيط من لفظ {عِندَ رَبِّكَ}:
توهم بعض أهل الأهواء والاتحادية أو المجسمة أن لفظ {عِندَ} يفيد الملاصقة المكانية أو حلول الله في المخلوقين أو حلول المخلوق في ذات الرب سبحانه وتعالى!
الدفع والمحاكمة العقدية الصارمة عند أئمة السنة والجماعة:
مذهب سلف الأمة وأئمتها متفق على أن الله تعالى فوق سماواته مستوٍ على عرشه بائن من خلقه، لا يحل في شيء من خلقه ولا يحل فيه شيء من خلقه؛ كما قال ابن المبارك والإمام أحمد: "نعرف ربنا بأنه فوق سبع سماوات على العرش استوى، بائن من خلقه، ولا نقول كما تقول الجهمية إنه ها هنا في الأرض".
لفظ {عِندَ} في لغة العرب وفي القرآن الكريم يأتي كثيراً لإفادة القرب المعنوي وعلو الشأن والمنزلة والكرامة والتشريف؛ كقوله تعالى في الشهداء: {أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169]، وقوله: {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} [القمر: 55]؛ فدلالة العندية في حق الملائكة هي عندية الشرف والاصطفاء والوجود في الملأ الأعلى عند العرش المجيد، مع علو الله الذاتي المطلق على جميع خلقه؛ وبذلك تبطل كل أوهام الحلولية والمعطلة.
تقديم الجار والمجرور في قوله {وَلَهُ يَسْجُدُونَ}: تقديم المعمول يفيد القصر والاختصاص؛ أي لله وحده لا لغيره يسجدون؛ فلا يصرفون ذرة من السجود لصنم ولا لكوكب ولا لملك ولا لولي، بل السجود خالص للحي القيوم.
الترتيب المنطقي للعبادات: ذكر أولاً نفي المانع وهو الكبر {لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ}، ثم ذكر الذكر اللساني والقلبي بالتنزيه {وَيُسَبِّحُونَهُ}، ثم توج ذلك بغاية الخضوع الفعلي العملي {وَلَهُ يَسْجُدُونَ}؛ فنفي الكبر يفتح باب التسبيح، والتسبيح يثمر السجود.
التأكيد بـ {إِنَّ}: لتقرير هذا المشهد الإيماني العظيم ودفع أي شك في استغناء الله تعالى عن عبادة العباد؛ فالله غني عن العالمين، وله ملائكة لا يحصي عددهم إلا هو لا يفترون عن تسبيحه وطاعته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
كسر الكبر والعجب: أعظم دواء لكبر النفس وعجبها أن يتذكر العبد الملائكة الكرام الذين خلقهم الله من نور، وهم معصومون من الذنوب، ومع ذلك يقضون أعمارهم ساجدين مسبحين؛ فإذا كان هؤلاء لا يستكبرون فكيف يجرؤ الإنسان المسكين المليء بالعيوب والذنوب أن يتكبر؟!
فضل وسنية سجود التلاوة: إغاظة الشيطان بالخرور سجداً عند هذه الآية، وإعلان العبودية الخالصة لرب العالمين؛ فإن السجود هو أقرب ما يكون فيه العبد من ربه، وهو ختام مبارك لأعظم سورة بينت طريق النجاة من حبائل إبليس وجنده.