أخرج الطبري في "جامع البيان" (12/ 280)جامع البيانالطبري١٢/٢٨٠ بسنده عن مجاهد وقتادة في قوله تعالى: {فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ}: "الحرج: الضيق والشك والغم؛ يقول الله لنبيه: لا يضق صدرك من إبلاغه، ولا تخف من تكذيب قومك وأذاهم، فإنا ناصروك ومؤيدوك".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 375)مصدر غير محدد٣/٣٧٥: "{كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ} أي: هذا القرآن كتاب عظيم منزل إليك من ربك، {فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ} أي: شك وريبة، وقيل: ضيق من تبليغه ومواجهة قومك به لما تعلم من عنادهم وعتوهم، كقوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ}، {لِتُنذِرَ بِهِ} أي: لتخوف به الكافرين، {وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} أي: تذكرة وموعظة لمن آمن به".
قال السعدي (ص 283)مصدر غير محدد٢٨٣: "نهى الله نبيه عن الحرج والضيق عند تلاوته وتبليغه، وأمره أن ينشرح صدره به ويصدع به شجاعاً؛ لأنه نزل للإنذار ولتذكير المؤمنين".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(حَرَجٌ): الحرج هو أشد الضيق والالتواء والشك والتردد؛ وأصله مكان الشجر الملتف المتضايق الذي لا يمكن النفوذ منه.
(ذِكْرَى): اسم مصدر بمعنى التذكير والموعظة النافعة المقوية للإيمان.
الإعراب والتركيب:
{كِتَابٌ}: خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هذا كتابٌ)، أو مبتدأ لخبر محذوف، أو خبر لـ (المص).
{أُنزِلَ}: فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح، ونائب الفاعل مستتر تقديره هو، والجملة في محل رفع نعت لـ (كتاب).
{إِلَيْكَ}: جار ومجرور متعلق بـ (أنزل).
{فَلَا}: الفاء فصيحة، (لا) ناهية جازمة.
{يَكُن}: فعل مضارع ناقص مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه السكون، وحذفت الواو للتخلص من التقاء الساكنين.
{حَرَجٌ}: اسم (يكن) مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
{مِّنْهُ}: متعلق بمحذوف نعت لـ (حرج)، والهاء تعود على الكتاب أو على التبليغ.
{لِتُنذِرَ}: اللام لام التعليل، تنذر مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام والفاعل مستتر تقديره أنت، والجار والمجرور والمصدر المؤول متعلق بـ (أنزل).
{بِهِ}: متعلق بـ (تنذر).
{وَذِكْرَى}: الواو عاطفة، ذكرى معطوف على محل (لتنذر) بتقدير (للإنذار والتذكير)، أو مفعول لأجله منصوب بفتحة مقدرة، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره (وهو ذكرى).
{لِلْمُؤْمِنِينَ}: جار ومجرور متعلق بـ (ذكرى).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتثبيت قلب الرسول قبل خوض النزال: بعد الافتتاح بـ {المص}، جاءت هذه الآية لتضع دستور الثبات النفسي والرسالي للنبي صلى الله عليه وسلم؛ فالدعوة ستواجه تكذيباً مستكبراً ومكراً عتياً يضيق به الصدر، فنزلت هذه الآية لتسكب في قلب النبي برداً وسلاماً وانشراحاً؛ فليس عليه إلا الإنذار والتذكير، والكتاب مؤيد بنصر الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
توجيه النهي في {فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ}:
النهي موجه للنبي صلى الله عليه وسلم عن الحرج؛ فهل كان في صدره حرج من الكتاب؟
الجواب: الحرج المنفي هنا ليس الشك في صدق الكتاب؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم مبرأ من الشك بإجماع الأمة، وإنما هو "الضيق النفسي الفطري" الذي كان يعتريه من مواجهة قريش بتسفيه آلهتهم وخوفه من أن يقابلوا الكتاب بالأذى والسخرية؛ فنهاه الله عن هذا الضيق وثبّت فؤاده ليبلغ أمانة ربه بقلب منشرح جسور.
تنكير (كِتَابٌ) و(حَرَجٌ): تنكير الأول للتعظيم والتفخيم؛ أي كتاب عظيم مبارك، وتنكير الثاني في سياق النهي لاستغراق نفي أي جنس من الحرج والضيق مهما قل وصغر.
المقابلة الوظيفية بين (الإنذار) و(الذكرى): الإنذار موجه للعامة وللكفار لدفعهم عن غيهم، والذكرى للمؤمنين لتثبيتهم وزيادة يقينهم؛ فالمؤمن هو المنتفع الحقيقي بالموعظة.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
حامل القرآن والداعية إلى الله يجب أن يكون أوسع الناس صدراً؛ فلا يقلق من جفاء المعاندين ولا يضيق بمكرهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الشجاعة الأدبية في البلاغ:
الثبات والجهر بالحق دون خوف من لومة لائم أو تحرج من الرأي العام المخالف.
عمارة القلب بنور القرآن:
دفع الوساوس والضيق بالاعتصام بنصوص التنزيل والانشراح بهداياتها.