تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 48)جامع البيانالطبري١٣/٤٨: يروي الطبري عن ابن عباس وقتادة والسدي أن السحرة لما توعدهم فرعون بالتقطيع والصلب، ردوا عليه رداً هادئاً يفيض بالعزة واليقين الذي لا يزعزعه بطش الجبابرة: {قَالُوا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ}؛ أي إنا إن قتلتنا وقطعت أطرافنا فإنما تعجل بنا إلى لقاء ربنا، وإلى رحمته وجنته ومغفرته، ولست تملك إلا هلاك أجسادنا في هذه الدنيا الفانية، أما أرواحنا فمنقلبة إلى الرب الرحيم العادل الذي يثيب على الصبر في سبيله.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 452)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٥٢: يشير ابن كثير إلى أنهم استهانوا بوعيد فرعون واحتقروا تهديده؛ لأن قلوبهم لما امتلأت بالإيمان بالآخرة صغرت الدنيا في أعينهم وما فيها من نعيم أو عذاب؛ فرأوا أن الموت بالصلب ليس نهاية المطاف بل هو بداية النعيم المقيم والرجوع إلى ربهم المنعم.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 256)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٢٥٦: يوضح القرطبي أن هذا القول منهم دليل على أن التوحيد إذا تمكن من القلب محا خوف المخلوق بالكلية؛ فصاروا يرجون ما عند الله ولا يبالون بما يفعله فرعون.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{مُنقَلِبُونَ}: اسم فاعل من انقلب ينقلب انقلاباً، والمراد راجعون وصائرون إلى حكمه وجزائه في الآخرة.
الإعراب والتركيب:
{قَالُوا}: فعل ماضٍ وفاعل.
{إِنَّا}: (إنّ) حرف توكيد ونصب، و(نا) المدغمة اسمها، والجملة مقول القول في محل نصب.
{إِلَىٰ رَبِّنَا}: جار ومجرور متعلقان بـ (منقلبون)، و(نا) مضاف إليه.
{مُنقَلِبُونَ}: خبر إن مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة البلاغية والتربوية العظيمة: فرعون قال لهم في الآية (119): {وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ} على زعم الهزيمة، فردوا عليه هنا بالانقلاب الحقيقي: {إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ}؛ أي إن كان لكم انقلاب بالصغار في الأرض، فإن منقلبنا نحن هو إلى رب العالمين بالكرامة والشهادة!
تقديم الجار والمجرور {إِلَىٰ رَبِّنَا}: يفيد القصر والحصر، أي إليه وحده لا إلى غيره رجوعنا ومآلنا ومحاسبتنا، فلا نبالي بقضائك الدنيوي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف تحول أولئك السحرة الذين كانوا قبل لحظات يساومون على الأجر الدنيوي والقرب من الملك إلى هذه القمة من الزهد والاستهانة بالموت والصلب؟
الدفع والمحاكمة العقلية: هذه هي معجزة الإيمان الحقيقي حين يشرق في القلب بنور اليقين والبرهان العقلي القاطع؛ فعندما رأى السحرة بأم أعينهم قدرة الله تتجلى في تلقف العصا، سقطت من قلوبهم كل هيبة للدنيا وعلموا أن ملك فرعون هباء وأن النعيم الحقيقي في جوار رب العالمين؛ فالانقلاب الروحي الفوري برهان على أن اليقين القاطع ينسف الخوف البشري الطبيعي ويحيله إلى شجاعة مطلقة.