تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 51)جامع البيانالطبري١٣/٥١: ينقل الطبري عن السدي ومحمد بن إسحاق وابن عباس أن كبراء قوم فرعون وأشرافهم حرّضوا ملكهم بعد إيمان السحرة وظهور حجة موسى، وقالوا له محذرين: أتترك موسى وقومه من بني إسرائيل أحياء طلقاء ليفسدوا أهل مصر بالدعوة إلى خلاف دينك وترك عبادتك وعبادة آلهتك؟ فاستجاب فرعون لتحريضهم وأعلن استئناف حرب الإبادة والاستضعاف: {سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ}؛ إرهاباً لهم ورغبةً في تثبيت سلطانه المتداعي.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 454)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٥٤: يوضح ابن كثير أن بطانة السوء تحركت لما رأت هيبة الملك تهتز وسحر الدولة يتهاوى؛ فحرضوا فرعون على العودة إلى سياسته القديمة في ذبح المواليد واستبقاء الإناث للخدمة والامتهان؛ ليضمنوا بقاء بني إسرائيل تحت نير الذل والعبودية؛ ورد فرعون بصلف المستكبرين بأنه قاهر لهم بالسلطة والسلاح.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 258)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٢٥٨: ينقل القرطبي عن ابن عباس ومجاهد في قوله {وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} أن فرعون كان قد وضع لقومه أصناماً صغاراً يعبدونها وأمرهم بعبادته هو أيضاً كإله أعظم؛ فكانت الآلهة تابعة لألوهيته المزعومة؛ وقيل كانت له بقرة يعبدها كما كان يصنع قدماء المصريين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{أَتَذَرُ}: وذر يذر ودع يدع، فعل مضارع واوي الفاء حذفت واوه في المضارع والأمر استثقالاً، ومعناه تترك وتغفل.
{نَسْتَحْيِي}: استحيا يستحيي، السين والتاء للطلب أو المبالغة، ومعناه نستبقي حياتهن ولا نقتلهن لغرض الخدمة والاسترقاق.
{قَاهِرُونَ}: القاهر هو الغالب المتمكن الذي لا يقدر مقهوره على الامتناع منه.
الإعراب والتركيب:
{وَقَالَ}: الواو استئنافية، فعل ماضٍ مبني على الفتح.
{لِيُفْسِدُوا}: اللام لام التعليل أو العاقبة، (يفسدوا) فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام، والواو فاعل، والمصدر المؤول في محل جر باللام متعلق بـ (تذر).
{فِي الْأَرْضِ}: جار ومجرور متعلقان بـ (يفسدوا).
{وَيَذَرَكَ}: الواو عاطفة معطوف على (يفسدوا) منصوب بالفتحة، وفاعله مستتر تقديره هو (موسى)، والكاف مفعول به؛ أو الواو للمعية وينصب الفعل بأن مضمرة وجوباً بعد واو المعية في جواب الاستفهام.
{وَإِنَّا}: الواو حالية، (إنّ) حرف توكيد ونصب، و(نا) اسمها.
{فَوْقَهُمْ}: ظرف مكان منصوب متعلق بـ (قاهرون) وهو مضاف، والهاء مضاف إليه.
{قَاهِرُونَ}: خبر إن مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، وجملة إن واسمها وخبرها في محل نصب حال.
القراءات المتواترة:
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف العاشر {سَنُقَتِّلُ} بالتشديد للتكثير، وقرأ يعقوب الحضرمي بالتخفيف {سَنَقْتُلُ}.
قرأ الجمهور {وَآلِهَتَكَ} جمع إله، وقرأ ابن عباس في غير المشهور (وإلاهَتَكَ) بكسر الهمزة وفتح اللام أي وعبادتك وطاعتك.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تحريض الملأ لفرعون جاء في لحظة ارتباك الدولة الفرعونية بعد الهزيمة المدوية؛ فالملأ هم المنتفعون من بقاء النظام الفاسد، وهم حراس مصالحهم الخاصة قبل أن يكونوا حراس ملك فرعون.
وصفوا دعوة التوحيد بـ {لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ}؛ وهو قلب للحقائق وتسمية للإصلاح بالفساد، وهو ديدن المترفين في كل أمة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يقول الملأ {وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} وفرعون كان يدعي أنه الإله الأوحد في قوله: {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي}؟
الدفع والمحاكمة العقلية: لا تعارض بين الأمرين؛ ففرعون كان يدعي الربوبية والسيادة المطلقة السياسية والتشريعية في قوله {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي} أي لا آمر ولا ناهٍ ولا معبود فوقي في مصر؛ ومع ذلك كان هو وقومه يعبدون قوى الطبيعة أو كواكب وأصناماً متوارثة يتقربون بها؛ وكان فرعون يزعم أنه ابن تلك الآلهة أو ممثلها الأرضي الحصري، أو كان يقر بآلهة يقدسها خاصة به؛ فقول الملأ يثبت وثنيته المزدوجة التي يركب فيها بين ادعاء الألوهية لنفسه وبين عبادة الأوثان لتثبيت سذاجة الجماهير.
التشديد في {سَنُقَتِّلُ} والتكرار المروع: يعكس شهوة الانتقام والوحشية الممنهجة ضد شعب مستضعف أعزل.
التعبير بالاستعلاء في {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ}: استخدام ظرف الفوقية لتعويض النقص النفسي الذي أحدثته الهزيمة الميدانية؛ فالمستبد حين يخسر معركة الحجة يلجأ إلى التباهي بالقوة المادية والعسكرية الفوقية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحالف الطغاة مع بطانة السوء: الحاشية المستفيدة تحرص دوماً على إشعال نار الفتنة والتحريض على إبادة المصلحين حفاظاً على الامتيازات والمكتسبات الدنيوية.
تسمية الأشياء بغير أسمائها وتشويه المصلحين: كل دعوة إلى التوحيد والعدل والحرية يسميها المستبدون إفساداً وزعزعة للأمن والاستقرار لتهيئة الرأي العام للقبول بالقمع وسفك الدماء.