تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 291)جامع البيانالطبري١٣/٢٩١: يوضح الطبري أن الإملاء هو الإمهال وإطالة العمر في الرخاء والعافية؛ أي أمد لهم في الآجال وأؤخر عنهم العقوبة ولا أعاجلهم بالعذاب؛ ثم علل هذا الإمهال بالحقيقة المهيبة: {إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}؛ والكيد الإلهي هو استدراجهم وتدبير عقوبتهم بعدله من حيث لا يشعرون؛ والمتين هو القوي الصلب الشديد الذي لا يوهنه شيء ولا يفوته هارب ولا ينجو منه كافر.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 521)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٥٢١: يذكر ابن كثير أن الله تعالى حليم صبور لا يعاجل بالعقوبة، ولكنه قوي متين إذا أراد شيئاً أمضاه بحكمته؛ فكيده بالظالمين محكم تام لا يمكن لأي حيلة بشرية أن تفلت منه.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 368)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٦٨: يبين القرطبي أن تسمية عقوبة الله كيداً هي من باب المشاكلة والمجاز؛ لأنها تنزل بهم جزاءً على كيدهم ومكرهم بدين الله، فجازاهم من جنس صنيعهم بتدبير محكم قاصم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{وَأُمْلِي}: أملى يملي إملاءً، وأصله مأخوذ من المَلْوَةِ وهي المدة الطويلة من الزمان، والإملاء إطالة المدة وتوسعة الأجل.
{مَتِينٌ}: فعيل من المَتانة، وهي القوة والصلابة والرسوخ التام في الشيء.
الإعراب والتركيب:
{وَأُمْلِي}: الواو عاطفة، فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره أنا.
{لَهُمْ}: جار ومجرور متعلقان بـ (أملي).
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب مشبه بالفعل.
{كَيْدِي}: اسم إن منصوب بفتحة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بكسرة المناسبة، والياء مضاف إليه.
{مَتِينٌ}: خبر إن مرفوع بالضمة الظاهرة، والجملة تعليلية لا محل لها.
القراءات المتواترة:
أجمع القراء العشرة على قراءة الآية الكريمة بألفاظها المعروفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تلازم سني معجز: الاستدراج في الآية السابقة {سَنَسْتَدْرِجُهُم} يستلزم إمهالاً في الزمان {وَأُمْلِي لَهُمْ}؛ ليكتمل بناء الغرور لديهم، ثم حسم هذا الإمهال بالصفة القاصمة {إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}؛ ليعلم الجميع أن طول الأجل ليس رضاً ولا نسياناً.
التوكيد بـ {إِنَّ} ووصف الكيد بـ {مَتِينٌ}: يقطع كل حبل للأمان الكاذب في قلوب الطغاة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يوصف الله بـ "الكيد" والكيد في عرف البشر مذموم؟
الدفع والمحاكمة العقدية واللغوية الصارمة عند أهل السنة:
الكيد هو التدبير الخفي لإيصال المكروه للمعتدي؛ وهو نوعان:
كيد مذموم قبيح: وهو ما كان ظلماً وخيانة بغير حق، وهذا منزه عنه رب العزة سبحانه قطعاً.
كيد محمود عدلي: وهو ما كان مقابلة لكيد الظالمين ومجازاة لهم على مكرهم وإحقاقاً للحق وقصماً للمعتدين؛ وهذا صفة كمال وحكمة وجلال؛ كما قال تعالى: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا} [الطارق: 15-16]، وقال: {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [النمل: 50]؛ فكيد الله هو استدراجه العادل لهم وإيقاعهم في شر أعمالهم بقوة ورسوخ لا مخلص لهم منه.