تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 40)جامع البيانالطبري١٣/٤٠: ينقل الطبري عن ابن عباس والقاسم بن أبي بزة والسدي أن السحرة لما رأوا العصا تبتلع حبالهم وعصيهم ثم عادت عصا في يد موسى كما كانت ولم يزد جرمها شيئاً، بهتوا وتيقنوا أن هذا أمر من السماء ليس من السحر في شيء، فخروا ساجدين لله الواحد القهار؛ وعبر عن ذلك بـ {أُلْقِيَ} للدلالة على شدة ما اعتراهم من اليقين الذي قهرهم وألقاهم على وجوههم ساجدين حتى كأنهم أُلقوا إلقاءً من غير تمهل.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 450)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٥٠: ينقل ابن كثير عن ابن عباس ووهب بن منبه أن السحرة لم يرفعوا رؤوسهم من سجودهم حتى رأوا الجنة وما أعد الله لهم فيها من الكرامة؛ فعرفوا الحق وخروا لله خاشعين؛ ويقول ابن كثير: كانوا في أول النهار سحرة فجرة، وصاروا في آخر النهار شهداء بررة!
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 252)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٢٥٢: يذكر القرطبي أن دافع سجودهم هو المعرفة القطعية؛ لأنهم أهل الصنعة والخبرة؛ فغيرهم قد يظن أن موسى ساحر أعظم منهم، أما السحرة أنفسهم فيعلمون يقيناً حدود السحر وإمكانياته، فلما رأوا ما يخرج عن كل مقدور بشري لم يملكوا إلا السجود لصاحب تلك القدرة العظمى.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{أُلْقِيَ}: فعل ماضٍ مبني للمجهول، وأصله طرح الشيء وإسقاطه، وجاء هنا للدلالة على قوة الدافع الباطني الذي خروا معه إلى الأرض كأنهم طُرحوا طرحاً.
{سَاجِدِينَ}: جمع ساجد، من سجد يسجد سجوداً، والسجود وضع الجبهة على الأرض تعظيماً وعبودية لله تعالى.
الإعراب والتركيب:
{وَأُلْقِيَ}: الواو استئنافية، فعل ماضٍ مبني للمجهول مبني على الفتح.
{السَّحَرَةُ}: نائب فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
{سَاجِدِينَ}: حال منصوبة وعلامة نصبها الياء لأنها جمع مذكر سالم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التقابل الرائع بين إلقاء السحرة لحبالهم في أول المشهد: {قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ}، وبين إلقاء أنفسهم في نهاية المشهد: {وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ}؛ فألقوا أولاً أدوات الباطل تكبراً، ثم ألقوا أجسادهم خضوعاً وتذللاً للحق!
السرعة الخاطفة في التحول: لم يذكر القرآن بينهم وبين السجود أي تردد أو تفكير؛ فبمجرد معاينة الآية كان السجود فورياً حاسماً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا كان إيمان السحرة سريعاً جداً بينما تردد بقية قوم فرعون وظلوا على كفرهم؟
الدفع والمحاكمة العقلية: لأن السحرة كانوا يملكون المعرفة التخصصية العميقة التي تميز بين التخييل وخلق الأعيان؛ فالجاهل قد يلتبس عليه الأمر ويظن المعجزة سحراً، أما العالم المتخصص الخبير بالعلل والأسباب فإذا رأى ما يخرق الأسباب قطع بأنه من مسبب الأسباب؛ فلذلك كانت حجية المعجزة على السحرة فورية قطعية اضطرتهم إلى الإيمان اضطراراً عقلياً ووجدانياً.
التعبير بالبناء للمجهول {أُلْقِيَ} دون «سجدوا»: بلاغة معجزة تصور شدة سلطان الحق وقوة اليقين الداهم الذي تملك قلوبهم؛ حتى لكأن قوة قاهرة أخذت بأعناقهم وألقتهم إلى الأرض ساجدين من فرط الهيبة والإجلال.
صيغة الجمع والاتفاق الكامل: سجدوا جميعاً دفعة واحدة ولم يتخلف منهم ساحر واحد، مما يدل على وضوح الحجة التي لا تقبل أي خلاف عند أهل التخصص.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قدرة الله المطلقة في هداية القلوب وتحويل مسار النفوس: في دقائق معدودة ينتقل العبد من قمة الفساد وممالأة الطغيان إلى ذروة الإيمان والشهادة في سبيل الله.
العلم الصادق يقود صاحبه إلى الحق إذا تجرد من الهوى؛ فالمعرفة بالحقائق سبيل النجاة.