تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 330)جامع البيانالطبري١٣/٣٣٠: يروي الطبري بإسناده الصحيح عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال: «ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}»؛ ويروي عن مجاهد وقتادة والسدي وابن زيد نحو ذلك، مبيناً أن معنى {خُذِ الْعَفْوَ} أي اقبل من الناس ما سهل وتيسر من أخلاقهم وطبائعهم وبذلهم ولا تكلفهم ما يشق عليهم؛ و{أْمُرْ بِالْعُرْفِ} أي بالمعروف الذي تألفه الفطر ويأمر به الشرع من الخير والصلة؛ و{أَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} أي إذا سفه عليك جاهل فلا تقابله بالسفه بل احلم وتجاوز وكف أذاك عنه.
صحيح البخاري (كتاب التفسير، باب خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين، حديث رقم 4642)مصدر غير محددحديث رقم ٤٦٤٢: روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قدم عيينة بن حصن بن حذيفة فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجلس عمر ومشاورته، كهولاً كانوا أو شباناً، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، هل لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه؟ قال: سأستأذن لك عليه، فاستأذن الحر لعيينة، فأذن له عمر، فلما دخل عليه قال: هيه يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل! فغضب عمر حتى همّ به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} وإن هذا من الجاهلين، فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقّافاً عند كتاب الله».
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 534)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٥٣٤: ينقل ابن كثير قول جعفر الصادق والشعبي وأبي حنيفة: "ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم من هذه الآية الكريمة؛ فإنها اشتملت على ثلاث قواعد عظمى: معاملة الناس بالمسامحة وقبول الميسور، والدعوة إلى كل معروف وبر، ومقابلة الإساءة بالصفح والحلم وعدم مجاراة السفهاء".
تفسير الشنقيطي (أضواء البيان، ج 2، ص 215)أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآنالشنقيطي٢/٢١٥: يوضح الشنقيطي أن الآية أصل عظيم في مكارم الأخلاق وسياسة الخلق؛ وقد بين الله هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34].
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{الْعَفْوَ}: العفو في كلام العرب له أصلان: أحدهما التجاوز والصفح والمحو، والآخر الفضل والزيادة وما تيسر وتسهل دون كلفة، ومنه قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} أي الفاضل الميسور؛ والمراد هنا: ما طوعت به أنفس الناس وسهل من أخلاقهم من غير تشديد ولا تضييق.
{بِالْعُرْفِ}: العُرف هو المعروف، وكل خصلة حسنة يقبلها العقل السليم ويقرها الشرع القويم وتطمئن إليها النفوس؛ وسمي عرفاً لأن الفطر السليمة تعرفه وتستحسنه وتنفر من ضده (المنكر).
{الْجَاهِلِينَ}: جمع جاهل، والجهل هنا إما ضد العلم والمعرفة، وإما ضد الحلم والوقار (وهو السفه وخفة العقل والتعدي)، وهو الأظهر في السياق كقول الشاعر: "ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا".
الإعراب والتركيب:
{خُذِ}: فعل أمر مبني على السكون وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت.
{الْعَفْوَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره.
{وَأْمُرْ}: الواو حرف عطف، أمر فعل أمر مبني على السكون والفاعل مستتر تقديره أنت.
{بِالْعُرْفِ}: الباء حرف جر، العرف اسم مجرور متعلق بـ (أمر).
{وَأَعْرِضْ}: الواو عاطفة، أعرض فعل أمر مبني على السكون والفاعل مستتر تقديره أنت.
{عَنِ الْجَاهِلِينَ}: عن حرف جر وحرك بالكسر للساكنين، الجاهلين اسم مجرور بعن وعلامة جره الياء لأنه جمع مذكر سالم، والجار والمجرور متعلقان بـ (أعرض).
القراءات المتواترة:
أجمع القراء العشرة على قراءة الآية الكريمة بألفاظها المتواترة دون خلاف فرشي مؤثر في المبنى الإعرابي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاء هذا التوجيه الإلهي البليغ في ختام سورة الأعراف بعد أن استعرضت السورة تاريخ الرسل وأقوامهم، وما لاقاه الأنبياء من عناد وسفه وجدال مع الأمم الطاغية، وبعد فضح سخافة الأصنام وسفاهة المشركين؛ فكانت النفس البشرية للداعية بحاجة إلى دستور رباني جامع يضبط حركتها الأخلاقية في مواجهة طبائع الناس المتباينة ونزعاتهم الملتوية.
روعي في النظم التقسيم الثلاثي البديع لمسارات السلوك:
تلقي تصرفات الناس وأفعالهم بالمسامحة واليسر: {خُذِ الْعَفْوَ}.
توجيه الناس إلى الخير والفضيلة بالحكمة: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ}.
حماية النفس والرسالة من ردود الأفعال الصبيانية والسفاهة: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة الزعم بنسخ الآية بآيات القتال والجهاد: زعم بعض المتأخرين أن قوله تعالى: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} منسوخ بآية السيف والقتال، لأن الإعراض ينافي مجاهدة الكفار!
الدفع والمحاكمة العقلية والتفسيرية الرصينة عند أئمة التحقيق:
قرر الطبري وابن عطية والقرطبي وابن تيمية والشنقيطي أن هذه الآية من المحكم المحيط المستقر الذي لا يدخله نسخ البتة؛ فالإعراض عن الجاهل وسفهه خلق قرآني دائم ومقام حلم ورفعة للمؤمن في كل زمان ومكان.
لا تعارض عقلياً ولا شرعياً بين الإعراض عن سفاهة الجاهل وسبابه الشخصي وبين إقامة الحدود الشرعية وجهاد المحاربين المعتدين؛ فالقتال له مناطه الشرعي لدفع العدوان وإعلاء كلمة الله، بينما الحلم والصفح والإعراض مناطه كسر حدة الخصومات الفردية وحماية الداعية من الانزلاق إلى مستنقع المهاترات والسفه؛ وبذلك يتبين أن دعوى النسخ باطلة لعدم التنافي بين الواجبين.
إيجاز القصر والإعجاز البلاغي: هذه الكلمات الست حوت جميع قواعد الأخلاق الاجتماعية؛ فللعبد حال مع طبائع الناس، وحال في توجيههم، وحال في مقابلة أذاهم، فاستوعبت الآية كل شعب المعاملة بأوجز لفظ وأعذب بيان.
التعبير بالفعل {خُذِ}: يوحي بالقبول والرضا بما يأتي عفواً من غير تعسف ولا تدقيق؛ وفيه إشارة إلى حسن التغافل وعدم استقصاء العيوب.
استعمال {الْعُرْفِ} بدلاً من المعروف: للإشارة إلى أن المعروف قد استقر في الفطر السليمة وصار عرفاً مألوفاً تتطابق عليه العقول الرشيدة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قاعدة التغافل والتيسير: سر نجاح الداعية والمربي في استيعاب الناس هو ألا يطالبهم بالكمال المطلق، بل يقبل منهم ما تيسر من برهم ويبني عليه ويتغاضى عن نقائصهم.
الوقوف عند كتاب الله: الاقتداء بعمر الفاروق رضي الله عنه حين أطفأ غضبه الشديد بمجرد سماع الآية الكريمة؛ فالمؤمن الحق وقاف عند آيات الله ينقاد لأمره ويزول غضبه.
صيانة طاقة الداعية: الانشغال بمناكفة السفهاء والرد على حماقاتهم يستهلك طاقة الدعوة ويحرفها عن أهدافها الكبرى؛ فالإعراض عن الجاهل إخماد لشره وإعلاء لقدر الحق.