تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 251)جامع البيانالطبري١٣/٢٥١: يروي الطبري بأسانيد صحيحة عن عبد الله بن مسعود وابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير أن هذه الآية نزلت في رجل من بني إسرائيل يقال له بلعام بن باعوراء (وقيل من كنعان، وقيل أمية بن أبي الصلت، والأشهر بلعام)؛ آتاه الله علماً بالكتب ومعرفة باسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سُئل به أعطى؛ فلما نزل موسى وبنو إسرائيل في أرض الجبارين، جاءه قومه وأغروه بالمال والرياسة ليدعو على موسى وقومه، فنازعته نفسه إلى الدنيا، فلما انحاز إلى الباطل سُلخ منه العلم ونُزع منه اسم الله الأعظم؛ فصار مجرداً من العصمة، فاستحوذ عليه الشيطان وأتبعه وصار قائداً له في دركات الغواية.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 510)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٥١٠: يوضح ابن كثير أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ فهذا مثل ضربه الله لكل من أوتي علم الكتاب والشريعة والقرآن فحفظه وفهمه ثم رده وراء ظهره، واتبع شهوات الدنيا ورضوان السلاطين وشهوات البطن والفرج، فانسلخ من دين الله كما تنسلخ الحية من جلدها تاركة إياه وراءها مجردة في العراء؛ فلحقه الشيطان وجعله من الغاوين الهالكين.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 350)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٥٠: يبين القرطبي أن الانسلاخ استعارة مروعة لترك الدين بالكلية والخروج منه بعد أن كان محيطاً به كالثوب السابغ؛ وفي ذلك أشد التحذير لعلماء الدين من بيع دينهم بدنيا غيرهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{نَبَأَ}: الخبر العظيم ذو الشأن والأثر الكبير.
{فَانسَلَخَ}: سلخ يسلخ سلخاً، والسلخ كشط الجلد عن الشاة ونحوها، وانسلخ خرج من جلده خروجاً تاماً بحيث لا يعود إليه.
{فَأَتْبَعَهُ}: الفاء عاطفة، فعل ماضٍ ومفعول به أول مقدم.
{الشَّيْطَانُ}: فاعل مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
{فَكَانَ}: الفاء عاطفة، فعل ماضٍ ناقص واسمه مستتر تقديره هو.
{مِنَ الْغَاوِينَ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر كان، وعلامة الجر الياء لأنه جمع مذكر سالم.
القراءات المتواترة:
أجمع القراء العشرة على قراءة الآية الكريمة بألفاظها المعروفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم الحركي المعجز في ترادف الفاءات الأربع:
{فَانسَلَخَ مِنْهَا}: المبادرة بالخروج من الهداية بالهوى.
{فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ}: التعقيب السريع بلحاق الشيطان وتسلطه عليه.
{فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ}: الانحدار السريع إلى قعر الضلال والهلاك.
توالي الفاءات يصور سرعة السقوط المدوي لمن يفرط في آيات الله؛ فبمجرد التخلي عن الوحي يلتهمه الشيطان بلا إبطاء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يُسلخ العلم من عالم آتاه الله آياته وهو يعلم صدقها يقيناً؟
الدفع والمحاكمة العقلية والنفسية:
العلم المجرد في الذهن لا يعصم صاحبه إذا فسدت إرادته واستولت عليه شهواته؛ فالإنسان إذا آثر الرئاسة والمال والجاه العاجل على مرضاة الله، بدأ يؤول النصوص ويتحايل عليها حتى تسقط هيبة الوحي من قلبه شيئاً فشيئاً؛ وحينها يعاقبه الله بنزع نور التوفيق واليقين من باطنه جزاء خيانته للأمانة، فينسلخ من بركة العلم ولا يبقى له إلا رسوم وألفاظ خاوية تقوده إلى الغواية؛ كما قال ابن تيمية: "العلم إما حجة لك أو حجة عليك، ومن لم ينفعه علمه كان علمه أول سبب في هلاكه".
الاستعارة التصريحية الفائقة في {فَانسَلَخَ مِنْهَا}: شبه خروجه من آيات الله بخروج الحية من قشرها؛ ووجه الشبه: أن الآيات كانت تحيط به وتحميه وتجمله كالثوب أو الجلد الساتر، فلما عاند فارقها مفارقة تامة وبقي عارياً قبيحاً معرضاً لكل آفة وسم.
التعبير بـ {فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ} دون «تبعه»: صيغة أتبع تفيد اللحاق الحثيث والملازمة الشديدة؛ فالشيطان كان ييأس منه وهو معتصم بالآيات، فلما انسلخ منها طمع فيه الشيطان فأدركه واستحوذ عليه وصار له قريناً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التحذير الأكبر لطلبة العلم والعلماء: العلم أمانة ثقيلة ومسؤولية كبرى؛ فمن تعلم ليماري به السفهاء أو يستميل به وجوه الناس أو يبرر به ظلم الجبابرة فهو على شفا جرف انسلخاخ مهلك.
الخوف من سوء الخاتمة: العبرة بالخواتيم والثبات؛ فكم من عبد بدأ في أول أمره مكرماً بالآيات وختم له بالردة والغواية لفساد طويته وإيثاره للدنيا.