تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 285)جامع البيانالطبري١٣/٢٨٥: يروي الطبري عن قتادة ومجاهد والربيع بن أنس والسدي أن هذه الأمة المباركة المذكورة هنا هي أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ كما روى قتادة قال: "بلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية قال: هذه لكم، وقد أُعطي قوم موسى مثلها: {وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}"؛ فجعل الله في هذه الأمة الخاتمة طائفة منصورة ظاهرة على الحق يهدون الناس بشرع الله وبكتابه، وبه يقضون ويعدلون في أحكامهم ومواقفهم إلى أن تقوم الساعة.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 519)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٥١٩: يربط ابن كثير بين هذه الآية وبين الحديث المتواتر في الصحيحين: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك»؛ فهذه بشارة نبوية وقرآنية ببقاء أهل السنة والحديث وحملة الشريعة الصادقين هادين عادلين في كل عصر.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 364)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٦٤: يبين القرطبي أن الآية تقرر أن الأرض لا تخلو قط من حجة لله وقائم بالحق؛ فلا تجتمع الأمة على ضلالة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{أُمَّةٌ}: جماعة يقتدى بهم في الخير، أو طائفة موحدة على المنهج الصادق.
الإعراب والتركيب:
{وَمِمَّنْ}: الواو استئنافية، (من) حرف جر، (مَن) اسم موصول مبني في محل جر متعلق بمحذوف خبر مقدم.
{خَلَقْنَا}: فعل ماضٍ مبني على السكون و(نا) فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{أُمَّةٌ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
{يَهْدُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل رفع نعت لـ (أمة).
{بِالْحَقِّ}: متعلقان بـ (يهدون).
{وَبِهِ}: الواو عاطفة، جار ومجرور متعلقان بـ (يعدلون) قدم للحصر والاهتمام.
{يَعْدِلُونَ}: معطوف مضارع بفاعله.
القراءات المتواترة:
أجمع القراء العشرة على قراءة الآية الكريمة بألفاظها المعروفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة العظيمة بين الأمم: في الآية (159) أثنى على الطائفة الصالحة من قوم موسى: {وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}، وهنا أثبت للأمة المحمدية وجود هذه الطائفة الشريفة بلفظ أعم وأشمل: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ}؛ لبيان استمرار سلسلة الهداية والعدالة في خير أمة أخرجت للناس.
التناسب مع آية جهنم السابقة: لما ذكر في الآية (179) أن كثيراً من الجن والإنس في النار لغفلتهم، أردف ببيان أن هناك في المقابل صفوة مباركة نالت الهداية والعدل وقامت بأمر الله؛ لئلا ييأس المؤمن من وجود الصالحين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يقال إن في الأمة من يهدي بالحق ويعدل به، ونحن نرى كثيراً من الانحرافات والظلم في واقع المسلمين عبر التاريخ؟
الدفع والمحاكمة السننية والعقلية:
الآية لم تقل "كل من خلقنا أمة"، بل قالت بصيغة التبعيض: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ}؛ مما يدل على أن هؤلاء هم الصفوة والطائفة المنصورة؛ ووجود الظلم والفساد عند بعض العامة أو الحكام لا يقدح في وجود هذه الطائفة القائمة بالحق في كل عصر؛ فالأمة المحمدية معصومة من الإجماع على الضلال، والعلماء الربانيون والدعاة الصادقون لم ينقطعوا في أي زمان من أزمنة التاريخ الإسلامي يجددون الدين ويدعون إلى التوحيد والعدل.