تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 176)جامع البيانالطبري١٣/١٧٦: ينقل الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي أن القرية المأمور بسكناها هي بيت المقدس أو أريحا بعد انقضاء سنوات التيه؛ وأمرهم الله أن يدخلوها معترفين بفضل الله وتوبته عليهم؛ وجعل شعار دخولهم كلمة تذلل واستغفار وهي {حِطَّةٌ} أي: يا رب حط عنا خطايانا وأوزارنا، وأن يدخلوا باب القرية {سُجَّدًا} أي ركعاً خاضعين متطامنين شكراً لله على التمكين؛ ووعدهم الجزاء الكريم: {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ} التائبة، ونكافئ أهل الإحسان بالزيادة: {سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ}.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 494)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٩٤: يوضح ابن كثير أن هذا كان أمراً لهم بالجمع بين التوبة القولية باللسان (حطة) والخشوع العملي بالجوارح (سجداً)؛ ليكون الدخول دخول الفاتحين الشاكرين لا دخول الطغاة المستكبرين؛ كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة حين دخلها وهو واضع رأسه على راحلته تواضعاً لله حتى كادت لحيته تمس واسطة الرحل شكراً لله على الفتح المبين.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 325)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٢٥: يذكر القرطبي أن الحطة مصدر بمعنى الحط والإسقاط للذنوب، والسجود هنا هو الانحناء والركوع الشديد الذي يظهر التواضع، لأن السجود على الأرض يتعذر معه الدخول المشي بالقدمين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{حِطَّةٌ}: فِعْلَة من الحط، وهو الوضع والإسقاط، ومعناها مسألتنا ورجاؤنا أن تحط عنا ذنوبنا وتغفرها.
{سُجَّدًا}: جمع ساجد، من سجد، والمراد هنا المتطامن المنحني تذللاً لله عند الباب.
الإعراب والتركيب:
{وَإِذْ}: الواو عاطفة، (إذ) ظرف لما مضى متعلق بـ (اذكر) محذوفاً.
{قِيلَ}: فعل ماضٍ مبني للمجهول مبني على الفتح.
{لَهُمُ}: متعلقان بـ (قيل).
{اسْكُنُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل، والجملة في محل رفع نائب فاعل لـ قيل (أو مقول القول).
{هَٰذِهِ}: اسم إشارة مبني في محل نصب مفعول به لـ (اسكنوا).
{الْقَرْيَةَ}: بدل منصوب بالفتحة الظاهرة.
{وَكُلُوا}: معطوف على اسكنوا مبني مثله.
{مِنْهَا}: متعلقان بـ (كلوا).
{حَيْثُ}: ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب متعلق بـ (كلوا).
{شِئْتُمْ}: فعل ماضٍ وفاعل، والجملة في محل جر مضاف إليه لـ (حيث).
{وَقُولُوا}: معطوف أمر مبني على حذف النون والواو فاعل.
{الْمُحْسِنِينَ}: مفعول به منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
القراءات المتواترة:
قرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف العاشر {نَّغْفِرْ} بنون العظمة مفتوحة وكسر الفاء.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب {تُغْفَرْ} بالتاء المضمومة مبنياً للمجهول ورفع {خَطِيئَاتُكُمْ}.
وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر {خَطَايَاكُمْ} على الجمع التكسيري.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التقابل المحكم بين شريعة التيه وشريعة الاستقرار: في الصحراء كان رزقهم سائباً (المن والسلوى)، فلما أذن الله لهم بالدخول والاستقرار في المدن فتح لهم أبواب الرزق المتنوع {وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ}، وقرنه بأمر العبادة والاستغفار.
الترتيب العملي: القول الصادق باللسان {وَقُولُوا حِطَّةٌ} يقترن بالفعل الخاضع بالجوارح {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا}؛ ليتحقق كمال التوبة ظاهراً وباطناً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا طلب الله منهم هذه الكلمة الخاصة {حِطَّةٌ} وتلك الهيئة المحددة للسجود؟
الدفع والمحاكمة العقلية: الشرائع والعبادات توقيفية تقوم على مبدأ الاختبار والابتلاء بمدى التسليم والانقياد لأمر الله؛ وبنو إسرائيل كانوا أمة تعودت على الجدل والمكابرة والبطر والخيلاء؛ فأمرهم الله بكلمة يسيرة وهيئة متواضعة لكسر كبريائهم وامتحان طاعتهم؛ فالمقصود ليس مجرد اللفظ الشكلي بل خضوع الإرادة البشرية لأمر الخالق سبحانه.
إيجاز الحذف في {حِطَّةٌ}: كلمة واحدة تحوي معاني التوبة والاستغفار وطلب إسقاط الآثام كلها.
الوعد الإلهي بالزيادة {سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ}: فيه تشويق وترغيب؛ فالمغفرة جزاء للخطائين التائبين، والزيادة في الأجر والثواب مكافأة خاصة لمن أحسن في عمله وترقى في إيمانه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
أدب النصر والفتح: الفاتح المسلم يقابل انتصاراته بالاستغفار والتواضع لربه لا بالغرور وإراقة الدماء وهتك الحرمات.