تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 293)جامع البيانالطبري١٣/٢٩٣: يروي الطبري عن قتادة ومجاهد وابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قام على الصفا ذات ليلة فهتف: «يا صباحاه! يا بني فلان! يا بني فلان!» يدعو بطون قريش وينذرهم بأس الله وعذابه، فقال قائل من قريش: إن صاحبكم هذا قد جن وبات يهتف إلى الصباح! فأنزل الله رداً عليهم ودعوة لعقولهم إلى التفكر المنصف: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ}؛ أي أعميت عقولهم فلم يتفكروا في سيرة محمد صلى الله عليه وسلم وخلقه وماضيه بين ظهرانيهم أربعين سنة بالصدق والأمانة والرجاحة والعقل التام؟ فليس به مس من جنون ولا وسوسة؛ بل {إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أرسله الله برحمة لينذرهم عذاباً شديداً ويبين لهم سبل الرشاد.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 522)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٥٢٢: يوضح ابن كثير أن القرآن يحاكم قريشاً بمقتضى المنطق والمشاهدة التاريخية؛ فعبر عنه بـ {بِصَاحِبِهِم} لتذكيرهم بأنه ليس غريباً عليهم بل صاحبهم الملازم لهم طوال حياته المعروف بأشرف الأخلاق؛ فدعوى الجنون فرية باطلة يكذبها واقعهم ومعرفتهم الشخصية به.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 370)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٧٠: يبين القرطبي أن الجِنّة هي الجنون وزوال العقل؛ ونفيها عن النبي صلى الله عليه وسلم قطعي؛ فهو أكمل الخلق عقلاً وأرجحهم حكمة وأصدقهم حديثاً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{يَتَفَكَّرُوا}: التفكر إعمال العقل والفكر في الدلائل لاستخراج الحقائق.
{بِصَاحِبِهِم}: الصاحب الملازم المعاشر، مأخوذ من الصحبة.
{جِنَّةٍ}: بكسر الجيم، الجنون أو مس من الجن يخيل به الشيء على غير حقيقته.
{مُّبِينٌ}: اسم فاعل من أبان، أي ظاهر البلاغ وموضح للحقائق كاشف للبس.
الإعراب والتركيب:
{أَوَلَمْ}: الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، الواو عاطفة على مقدر، (لم) حرف نفي وجزم وقلب.
{يَتَفَكَّرُوا}: فعل مضارع مجزوم بحذف النون والواو فاعل.
{مَا}: نافية تعمل عمل ليس أو مهملة، والوقف على {يَتَفَكَّرُوا} تام وحسن عند أئمة القراء؛ وجملة ما بصاحبهم مستأنفة جواباً للتفكر (أو في محل نصب سدت مسد مفعولي يتفكروا على تضمينه معنى يعلموا).
أجمع القراء العشرة على قراءة الآية الكريمة بألفاظها المعروفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم البياني الأخاذ: بعد تفنيد كيدهم ومصيرهم، واجههم بالحجة النفسية والشخصية المباشرة؛ دعاهم إلى لحظة صمت وتفكر موضوعي بعيداً عن الغوغائية والتعصب: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا} في حقيقة هذا النبي الكريم الذي عاش بينهم أربعين عاماً فلم يعهدوا عليه كذبة واحدة ولا انحرافاً في خلق ولا خفة في عقل.
التعبير بـ {بِصَاحِبِهِم}: أسلوب استعطاف وإلزام بالحجة؛ فهو صاحبكم تعرفون نسبه ومولده وصدقه وأمانته، فكيف تتهمونه بما يعلم الصغير والكبير براءته منه؟
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا لجأ كفار قريش إلى اتهام النبي صلى الله عليه وسلم بالجنون مع علمهم برجاحة عقله؟
الدفع والمحاكمة العقلية والنفسية:
اتهام المصلحين بالجنون هو السلاح التافه الجاهز الذي يلجأ إليه المفلسون من الحجة في كل عصر؛ فلما جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم بكلام معجز بهر عقولهم وفضح عبادة أصنامهم وأسقط تقاليدهم الفاسدة، وعجز فصحاؤهم عن معارضة سورة واحدة من القرآن، أصيبوا بالصدمة والذهول؛ فلم يجدوا حيلة لتبرير عجزهم أمام العامة إلا بالهروب إلى تهمة الجنون؛ زاعمين أن هذا الكلام الخارق لا يصدر عن الطبيعة البشرية المعتادة فنسبوه إلى الجن؛ ففضحهم القرآن ودعاهم إلى تحكيم بدائه العقول والتفكر في سيرته المعصومة المنيرة.
زيادة {مِّن} في النفي {مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ}: تفيد الاستغراق القطعي العام المستغرق؛ أي ليس به أدنى شائبة ولا مثقال ذرة من جنون بوجه من الوجوه.
الحصر بـ «إنْ... إلا» في {إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ}: قصر موصوف على صفة؛ أي انحصرت مهمته في النذارة الشريفة الواضحة الناصحة التي تنقذكم من الهلاك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
أهمية التفكر والتجرد في قبول الحق: التحريض على التفكير الموضوعي الهادئ بعيداً عن ضغط الجماهير والعصبيات القبلية هو أول خطوة نحو الإيمان.
نزاهة سيرة الداعية أعظم برهان على صدقه: السيرة الطيبة والماضي النقي للداعية هي الرصيد الأكبر الذي يفحم الخصوم ويدحض اتهاماتهم الباطلة.