تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 267)جامع البيانالطبري١٣/٢٦٧: يوضح الطبري أن الله تعالى يذم هذا الصنف البشري بأبلغ صيغ الذم: {سَاءَ مَثَلًا} أي بئس المثل مثلاً {الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} وحججنا وأعرضوا عن براهيننا؛ {وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ} بتعريضها لسخط الله وسلبها نعمة الهداية والخلود إلى الطين؛ فما ظلموا الله ولا أنقصوا من ملكه شيئاً، ولكن وبال صنيعهم ارتد على ذواتهم بالخسران والمسكنة والمثل القبيح.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 514)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٥١٤: يبين ابن كثير أن هذا المثل وإن ضرب لبلعام بن باعوراء، إلا أنه عام في كل مكذب؛ فما أسوأ مثل قوم شُبهوا بالكلاب في خستهم ولهثهم الدائم على الدنيا وتكذيبهم بآيات الله.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 356)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٥٦: يذكر القرطبي أن الآية تقرر أن التكذيب بالآيات ظلم خالص للنفس؛ لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، ومن وضع آيات الله في موضع الإهمال وباعها بعَرَض دنيوي فقد ظلم نفسه أبشع الظلم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{سَاءَ}: فعل ماضٍ جامد لإنشاء الذم يعمل عمل بئس.
الإعراب والتركيب:
{سَاءَ}: فعل ماضٍ جامد لإنشاء الذم مبني على الفتح، وفاعله ضمير مستتر يفسره التمييز.
{الْقَوْمُ}: هو المخصوص بالذم، مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة (أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو القوم)، والجملة الفعلية من ساء وفاعلها وتمييزها في محل رفع خبر مقدم، والتقدير: ساء مثلاً مثل القوم؛ فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل رفع نعت لـ (القوم).
{كَذَّبُوا}: فعل ماضٍ والواو فاعل والجملة صلة الموصول.
{بِآيَاتِنَا}: متعلقان بـ (كذبوا).
{وَأَنفُسَهُمْ}: الواو عاطفة، (أنفسهم) مفعول به مقدم لـ (يظلمون) منصوب بالفتحة والهاء مضاف إليه.
{كَانُوا}: فعل ماضٍ ناقص واسمه.
{يَظْلِمُونَ}: فعل مضارع وفاعل والجملة خبر كان، وجملة كان واسمها وخبرها معطوفة.
القراءات المتواترة:
أجمع القراء العشرة على قراءة الآية الكريمة بألفاظها المعروفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاءت الآية تعقيباً صارماً على مثل الكلب؛ لتؤكد شناعة وبشاعة هذا التمثيل، ولتعلن أن الهبوط الأخلاقي والفكري لأهل التكذيب بلغ الغاية في السوء.
تقديم المفعول به في {وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ}: للحصر والقصر؛ أي لم يقع ظلمهم إلا على أنفسهم التي حرموها من النور والكرامة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة إعرابية: كيف يكون المخصوص بالذم في {سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ} ذوات الأشخاص (القوم) والتمييز هو (مثلاً)؟
الدفع والمحاكمة اللغوية النحوية عند سيبويه والفراء:
في الكلام حذف مضاف مقدر يفهمه العرب بالبداهة؛ والتقدير: ساء مثلاً مثلُ القوم الذين كذبوا؛ فحذف المضاف (مثل) وأقيم المضاف إليه (القوم) مقامه فارتفع؛ فالمذموم حقيقة هو "مثلهم وصنيعهم" المتصف بالخسة كصنيع الكلب؛ فالتعبير جارٍ على أرفع أساليب الإيجاز البلاغي العربي دون أدنى تنافر نحوي.