تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 121)جامع البيانالطبري١٣/١٢١: ينقل الطبري عن السدي ومجاهد وقتادة وابن عباس أن بني إسرائيل لما ذهب موسى إلى ميقات ربه واستبطأوا رجوعه (وكان قد وعدهم بثلاثين ليلة فزادها الله عشراً)، استغل السامري غيبة موسى؛ فجمع ما كان مع نساء بني إسرائيل من حلي القبط التي استعاروها عند خروجهم من مصر، وصهرها في النار وصاغ منها عجلاً مجوفاً وألقى في جوفه قبضة من أثر فرس جبريل التي رآها عند فلق البحر، فصار العجل جسداً مصمت المظهر مجوف الباطن إذا دخلت فيه الريح من دبره وخرجت من فمه أحدثت صوتاً يشبه خوار البقر؛ فافتتن به رعاع بني إسرائيل وظنوه إلهاً؛ فنفى الله عن هذا العجل صفات الألوهية بالحجة العقلية البديهية: {أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا}.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 476)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٧٦: يوضح ابن كثير أن عبادة العجل كانت انتكاسة وثنية سريعة كشفت عن رسوخ عبادة العجول والأبقار المصرية في نفوس بني إسرائيل؛ فبين القرآن سفاهة عقولهم؛ فالإله المعبود الحق يتكلم ويأمر ويهدي ويرشد، وهذا العجل جماد مصنوع عاجز عن الكلام وعاجز عن إرشاد عابديه لأي طريق؛ فكيف يتخذ إلهاً من دون الله؟
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 294)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٢٩٤: يبين القرطبي أن الخُوَار هو صوت البقر، والجسد هو البدن الذي لا حياة حقيقية فيه ولا روح كالإنسان الصامت؛ فكان صوته مجرد حركة هواء في تجاويف معدنية لا نطقاً اختيارياً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{حُلِيِّهِمْ}: جمع حَلْي، وهو ما يتزين به النساء من ذهب وفضة وجواهر.
{خُوَارٌ}: بضم الخاء، صوت الثيران والبقر عند الصياح.
{جَسَدًا}: الجسد يطلق على البدن الخالي من الروح، أو البدن المادي الكثيف الذي لا يأكل ولا يشرب.
الإعراب والتركيب:
{وَاتَّخَذَ}: الواو استئنافية، فعل ماضٍ مبني على الفتح.
{قَوْمُ}: فاعل مرفوع بالضمة وهو مضاف.
{مُوسَىٰ}: مضاف إليه مجرور بفتحة مقدرة للتعذر.
{مِن بَعْدِهِ}: جار ومجرور متعلقان بـ (اتخذ) أو بمحذوف حال، والهاء مضاف إليه (أي بعد انطلاقه إلى الميقات).
{مِنْ حُلِيِّهِمْ}: جار ومجرور متعلقان بـ (اتخذ) أو بمحذوف حال من العجل، والهاء مضاف إليه والميم للجمع.
{عِجْلًا}: مفعول به أول لـ (اتخذ) منصوب بالفتحة.
{جَسَدًا}: بدل من عجلاً أو نعت له منصوب بالفتحة (أو مفعول به ثانٍ إذا اعتبر اتخذ متعدياً لاثنين).
{لَّهُ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
{خُوَارٌ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة، والجملة الاسمية {لَّهُ خُوَارٌ} في محل نصب نعت ثانٍ لـ (عجلاً).
{أَلَمْ}: الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، (لم) حرف نفي وجزم وقلب.
{يَرَوْا}: فعل مضارع مجزوم بحذف النون، والواو فاعل.
{أَنَّهُ}: (أنّ) حرف توكيد ونصب مشبه بالفعل، والهاء اسمها.
{لَا يُكَلِّمُهُمْ}: (لا) نافية، فعل مضارع مرفوع، وفاعله مستتر، والهاء مفعول به، والجملة في محل رفع خبر أنّ.
{وَلَا يَهْدِيهِمْ}: معطوف على ما قبله، والفاعل مستتر، والهاء مفعول به.
{سَبِيلًا}: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة، والمصدر المؤول من أن واسمها وخبرها سد مسد مفعولي يَرَوا.
{اتَّخَذُوهُ}: فعل ماضٍ وفاعل ومفعول به.
{وَكَانُوا}: الواو حالية أو عاطفة، فعل ماضٍ ناقص واسمه.
{ظَالِمِينَ}: خبر كان منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم البياني يبين التناقض الصارخ: ذهب نبيهم لمناجاة الله الذي يكلمه تكليماً: {وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ}، بينما هم عكفوا على وثن {لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا}؛ فشتان بين الإله الحق السميع المتكلم الهادي، وبين العجل الأبكم العاجز.
تكرار {اتَّخَذُوهُ}: للتأكيد على ثبوت الجريمة وتقريرها في الأذهان، وتذييلها بـ {وَكَانُوا ظَالِمِينَ} لبيان أنهم بوضعهم العبادة في غير موضعها ظلموا أنفسهم وحادوا عن مقتضى العقل الفطري.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف انخدع جمهور عريض من أتباع الأنبياء بصوت ميكانيكي حركته الريح فاعتقدوا ألوهية العجل؟
الدفع والمحاكمة العقلية: هذا يوضح خطورة الهوى والتقليد الأعمى حين يستحكم في بيئة نشأت في عبودية وثنية ممتدة؛ فبنو إسرائيل تشربوا في مصر تقديس العجل (أبيس) وغيره من الآلهة المجسمة، فلما غاب موسى تحركت تلك الرواسب الدفينة التي حذرهم منها موسى حين قالوا سابقاً: {اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ}؛ فاستغل السامري هذا الاستعداد النفسي وصنع لهم العجل وألقى شبهته الزائفة؛ فانساق وراءه من غلبت عليه السذاجة والشهوة الحسية للمعبود المشاهد، مما يؤكد أن العقل إذا انفصل عن هداية الوحي قد يتردى في أتفه السخافات.
وصف العجل بـ {جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ}: تحقير تام للمعبود المزعوم؛ فهو مجرد هيكل مادي بليد أصم لا عقل له ولا روح، وصوته خوار بقر لا حكمة فيه ولا نطق؛ فكيف يرجى منه نفع أو هداية؟
الاستفهام الإنكاري في {أَلَمْ يَرَوْا}: تسفيه لعقولهم وإلزام لهم ببدائه الإدراك؛ لأن التمييز بين الجماد والإله أمر لا يحتاج إلى عناء فكري.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
من كمال صفات الإله الحق التكلم والهداية: فالله سبحانه حي متكلم يهدي عباده، وما لا يتكلم ولا يهدي لا يستحق مثقال ذرة من العبادة والخضوع.
خطورة الرواسب الجاهلية القديمة: يجب على المربين والدعاة تطهير نفوس الأتباع من مخلفات الجاهلية، لأنها قد تنفجر عند أول غيبة للقيادة أو نزول فتنة.