تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 172)جامع البيانالطبري١٣/١٧٢: يوضح الطبري تفاصيل هذه النعم الإلهية المترادفة في التيه بسيناء:
تقسيم بني إسرائيل إلى اثنتي عشرة فرقة وقبيلة مستقلة ترجع كل قبيلة إلى سبط من أبناء يعقوب الاثني عشر؛ منعاً للتنازع وتسهيلاً للإدارة.
لما عطشوا في صحراء سيناء القاحلة استسقوا موسى، فأمره الله بضرب الحجر بعصاه المعجزة، فانبجست وانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً من الماء العذب لكل سبط عين خاصة بهم لا يزاحمهم عليها غيرهم: {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ}.
تظليل الغمام الرقيق الأبيض يسترهم من حر شمس الصحراء الحارقة أينما ساروا في التيه.
إنزال المن والسلوى عليهم طعاماً هنيئاً بغير كد ولا زراعة؛ فالمن صمغ حلو يسقط على الشجر كالترنجبين، والسلوى طير السمانى اللذيذ يأتيهم غضاً طرياً يسقط بين أيديهم.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 493)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٩٣: يوضح ابن كثير الفرق الدقيق بين قوله هنا {فَانبَجَسَتْ} وفي سورة البقرة {فَانفَجَرَتْ}؛ فالانبجاس هو خروج الماء أولاً بقطرات وعيون ضيقة كالبداية، ثم انفجرت واتسعت وتدفقت أنهاراً جارية تلبي حاجة مئات الألوف من البشر ودوابهم؛ وكلا المشهدين يعبر عن مرحلة من مراحل المعجزة الإلهية الباهرة.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 321)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٢١: يبين القرطبي أن الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب والشعوب في العجم، مأخوذ من السَّبَط وهو الشجرة الكثيرة الأغصان المتفرعة من أصل واحد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{أَسْبَاطًا}: جمع سِبْط، وهو الحفيد أو القبيلة المتفرعة من أولاد يعقوب عليه السلام.
{فَانبَجَسَتْ}: نَبَجَسَ يَنْبَجِسُ انْبِجَاساً، وهو خروج الماء وانشقاقه وتدفقه من ضيق إلى سعة.
{الْمَنَّ}: مادة حلوة كالعسل أو الصمغ تسقط بالليل كالطل فيأخذونها ويأكلونها.
{كُلُوا}: فعل أمر والواو فاعل بتقدير قول محذوف مقول له.
{مِن طَيِّبَاتِ}: متعلقان بـ (كلوا) وهو مضاف.
{مَا}: اسم موصول مضاف إليه.
{رَزَقْنَاكُمْ}: فعل وفاعل ومفعول والجملة صلة الموصول.
{وَمَا}: الواو عاطفة، (ما) نافية.
{ظَلَمُونَا}: فعل وفاعل ومفعول به.
{وَلَٰكِن}: حرف استدراك عاطف.
{كَانُوا}: فعل ماضٍ ناقص والواو اسمه.
{أَنفُسَهُمْ}: مفعول به مقدم لـ (يظلمون) منصوب بالفتحة.
{يَظْلِمُونَ}: فعل مضارع وفاعل والجملة خبر كان.
القراءات المتواترة:
أجمع القراء العشرة على تأنيث العدد في الموضعين: {اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا} و{اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا السرد المعجز يجمع تفاصيل العناية الربانية المترادفة ببني إسرائيل في التيه: تقسيم إداري منظم يمنع الفتن، ماء عذب ينبجس من صخر أصم، تظليل سحاب يبرد لهيب القيظ، وطعام شريف شهي ينزل بلا تعب؛ فكل مقومات الحياة الكريمة هُيئت لهم برحمة الله.
ختام الآية بـ {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}: يبين كفرانهم لهذه النعم المتوالية ومقابلتها بالتمرد والبطر، وأن وبال المعصية يرتد على العبد نفسه ولا يضر الله شيئاً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة نحوية مشهورة: كيف أنث العدد في {اثْنَتَيْ عَشْرَةَ} والمعدود المذكور بعدها مذكر وهو {أَسْبَاطًا}، والقاعدة أن يذكر العدد مع المذكر؟
الدفع والمحاكمة اللغوية والعقلية عند سيبويه وجمهور النحاة:
تأنيث العدد هنا جارٍ على أرقى أساليب البلاغة العربية؛ لأن التمييز الحقيقي المقدر هو (فِرَقاً) أو (جماعاتٍ)، وهو مؤنث، ولفظ {أَسْبَاطًا} بدل من العدد لا تمييز له، كأنه قيل: وقطعناهم اثنتي عشرة فرقة أسباطاً؛ أو أن السبط هنا عومل معاملة القبيلة والأمة فلما كان تأنيث القبيلة حقيقياً أنث العدد رعياً للمعنى؛ فكلام الله جارٍ على أصح لغات العرب وأفصحها دون أي خلل تركيبي.
التعبير بـ {فَانبَجَسَتْ}: تصوير دقيق لبدء تفجر الماء؛ خروج لطيف رشيق يتحول إلى تدفق هائل؛ مما يعطي المشهد حيوية تصويرية مذهلة.
تقديم المفعول في {أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}: يفيد القصر والحصر؛ أي لم يقع ظلمهم إلا على ذواتهم الضعيفة التي حرموها من الكرامة وأوردوها موارد الهلاك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
النظام وحسن التنظيم أصل في استقرار المجتمعات: تقسيم بني إسرائيل وتحديد عين لكل سبط درأ النزاع ونشر الأمن، مما يدل على أهمية التنظيم الإداري وتفريق الموارد بعدل.
كفران النعم طبع النفوس اللئيمة: مهما أسبغ الله على العبد من النعم فإن النفوس الجاحدة تبحث عن المبررات للتذمر والشكوى؛ والمؤمن يقابل فضل الله بالشكر والحمد.