تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 334)جامع البيانالطبري١٣/٣٣٤: يوضح الطبري أن الآية تحتمل وجهين جليلين عند السلف:
الوجه الأول: أن الضمير في {تَدْعُوهُمْ} عائد على الأصنام والأوثان؛ أي إن دعوتم هذه الحجارة الصماء إلى الهداية أو لتستجيب لكم لم تتبعكم ولم تسمع؛ فاستوى دعاؤكم وصمتكم؛ لأن الجماد فاقد للإدراك والحركة والحياة؛ وهذا غاية في تسفيه عقول المشركين.
الوجه الثاني: أن الضمير عائد على المشركين أنفسهم؛ أي وإن تدعوا أيها المؤمنون هؤلاء المشركين المعاندين إلى الإسلام والهدى لا يتبعوكم لإصرارهم على الكفر؛ فاستوى إنذاركم لهم وسكوتكم عنهم في عدم استجابتهم؛ كقوله تعالى في البقرة: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 6].
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 533)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٥٣٣: يرجح ابن كثير أن السياق في شأن الأصنام ومناظرة عبدتها؛ فهي حجارة ميتة لا تسمع الدعاء ولا تملك حركة ولا اتباعاً؛ فدعاؤها عبث لا طائل تحته.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 391)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٩١: يبين القرطبي أن الجمع بين {أَدَعَوْتُمُوهُمْ} و{أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ} هو تسوية في النتيجة الحاصلة وهي انعدام النفع بالكلية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{سَوَاءٌ}: اسم بمعنى مستوٍ ومتكافئ في النتيجة.
{صَامِتُونَ}: الصمت السكوت التام والإمساك عن الكلام.
الإعراب والتركيب:
{وَإِن}: الواو عاطفة، (إن) حرف شرط جازم.
{تَدْعُوهُمْ}: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بحذف النون والواو فاعل والهاء مفعول به والميم للجمع.
{إِلَى الْهُدَىٰ}: متعلقان بـ (تدعوهم).
{لَا}: نافية.
{يَتَّبِعُوكُمْ}: فعل مضارع جواب الشرط مجزوم بحذف النون والواو فاعل والكاف مفعول به، وجملة الشرط مستأنفة.
{سَوَاءٌ}: خبر مقدم مرفوع بالضمة الظاهرة.
{عَلَيْكُمْ}: متعلقان بسواء.
{أَدَعَوْتُمُوهُمْ}: الهمزة للتسوية، (دعوتموهم) فعل ماضٍ وفاعل ومفعول به، وهو مع ما بعده في تأويل مصدر مبتدأ مؤخر تقديره: دعاؤكم إياهم وصمتكم سواء.
{أَمْ}: حرف عطف متصل للمعادلة.
{أَنتُمْ}: ضمير منفصل مبتدأ.
{صَامِتُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو، والجملة معطوفة على ما قبلها.
وقرأ الباقون {لَا يَتَّبِعُوكُمْ} بتشديد التاء المفتوحة من اتَّبَعَ يَتَّبِعُ، وهما لغتان متقاربتان في المعنى.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التقابل الإدراكي: بعد أن بين عجز الأصنام عن النصر والحماية، بين هنا عجزها عن مجرد الإدراك والاستجابة؛ فالنداء لها كالصمت تماماً، مما يثبت عبثية هذه العبادة وسقوطها في ميزان العقل.
المقابلة بين الفعلية {أَدَعَوْتُمُوهُمْ} والاسمية {أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ}: إعجاز بلاغي؛ فالدعاء عارض متجدد فعبر عنه بالفعل، والصمت حال مستمرة مستقرة فعبر عنها بالجملة الاسمية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يخاطبهم الله بقوله {لَا يَتَّبِعُوكُمْ} والجماد لا يتصور منه الاتباع أصلاً؟
الدفع والمحاكمة البلاغية والتهكمية:
الخطاب جاء على سبيل التهكم الشديد بعقول المشركين؛ فلما كانوا يزعمون أن هذه الأصنام تسمع وتجيب وتقود وتتبع، خاطبهم القرآن بما يفضح كذب هذا الزعم؛ أي أنتم تدعونها فلا تملك أن تتبعكم خطوة واحدة ولا تستجيب لندائكم؛ فإطلاق الاتباع هنا لنفي أدنى مظاهر التفاعل الحسي، وهو إلزام لهم بضرورة إدراك جماديتها المطلقة.