تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 326)جامع البيانالطبري١٣/٣٢٦: ينقل الطبري عن الحسن البصري وقتادة ومجاهد أن المراد في قوله {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ} هم المشركون من ذرية آدم؛ كاليهود والنصارى ومشركي العرب؛ كان الزوجان يدعوان الله أن يرزقهما ولداً سوياً، فلما رزقهما ولداً صالحاً تام الخلق جعلوا لله شركاء في ذلك الولد؛ فهودوه ونصروه، أو عبدوه لغير الله فسموه عبد اللات وعبد العزى وعبد شمس؛ وخصوا الأصنام بنصيب من ذبائحهم ونذورهم وشكروا غير المنعم؛ فتنزه الله وتقدس: {فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 530)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٥٣٠: يرجح ابن كثير بقوة ما ذهب إليه الحسن البصري رحمه الله؛ حيث قال: "هذا كان في أهل الشرك من ذرية آدم ولم يعنِ به آدم وحواء، وإنما هو من باب الالتفات والانتقال من المفرد إلى الجنس، بدليل قوله: {فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} بالجمع دون التثنية".
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 308)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٠٨: يوضح السعدي أن الشرك في الأولاد يقع بأوجه شتى: إما بالتسمية المعبدة لغير الله، أو بتربيتهم على الأديان الباطلة، أو بنسبة سلامتهم وحفظهم للتمائم والأطباء دون مسبب الأسباب؛ فكل ذلك شرك يجب تنزيه الله عنه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{صَالِحًا}: الصلاح هنا سلامة البدن واستواء الخلقة والنجاة من العاهات والتشوه.
{فَتَعَالَى}: تفاعل من العلو، وهو الترفع والتنزه والتقدس التام عن كل ما يصفه به المشركون من النقائص والأنداد.
الإعراب والتركيب:
{فَلَمَّا}: الفاء عاطفة، (لما) ظرفية شرطية.
{آتَاهُمَا}: فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر والفاعل مستتر تقديره هو، وهما مفعول به أول.
{صَالِحًا}: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة.
{جَعَلَا}: فعل ماضٍ وألف الاثنين فاعل، والجملة جواب لما لا محل لها.
{لَهُ}: متعلقان بـ (جعلا) أو بمحذوف مفعول به ثانٍ.
{شُرَكَاءَ}: مفعول به أول لـ (جعلا) منصوب بالفتحة غير منون لمنعه من الصرف على وزن فُعَلاء.
{فِيمَا}: جار ومجرور متعلقان بـ (شركاء) أو بمحذوف حال، و(ما) موصولة.
{آتَاهُمَا}: فعل وفاعل ومفعول والجملة صلة الموصول.
{فَتَعَالَى}: الفاء استئنافية للتنزيه، فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر.
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{عَمَّا}: (عن) حرف جر للمجاوزة، (ما) اسم موصول مبني في محل جر متعلق بـ (تعالى).
{يُشْرِكُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
القراءات المتواترة:
قرأ نافع وأبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف العاشر {جَعَلَا لَهُ شِرْكًا} بكسر الشين وسكون الراء وتنوين الكاف، وهو مصدر بمعنى المشاركة والنصيب.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم وأبو جعفر ويعقوب {جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ} بضم الشين وفتح الراء ممدوداً جمع شريك.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم البياني في التحول البديع: بدأ بالدعاء الخاشع والافتقار التام في الشدة {دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}، فلما تحققت النعمة وزال الخوف انقلب الحال إلى الشرك وجحود المنعم {جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ}؛ وهذا تصوير دقيق لطبيعة الإنسان الجحود حين يغتر بالرخاء.
الانتقال الإعجازي من ألف الاثنين {آتَاهُمَا... جَعَلَا} إلى واو الجماعة {عَمَّا يُشْرِكُونَ}: التفات بياني معجز يؤكد أن الحكم منصب على عموم المشركين من بني آدم الذين يرتكبون هذا الجرم في كل عصر ومصر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يجوز للمشرك أن ينسب نعمة الولد لغير الله وهو يعلم أن الصنم لم يخلق شيئاً؟
الدفع والمحاكمة العقلية:
الشرك ليس دائماً اعتقاد أن الصنم هو الخالق المستقل؛ بل هو شرك التوسل والوساطة والتقرب؛ فالمشركون كانوا يعلمون أن الله هو الخالق، ولكنهم إذا رزقوا ولداً ظنوا أن لأصنامهم وأوليائهم شفاعة أو بركة في حفظه وصحته ونمائه، فيذبحون لها شكراً ويسمون الولد بأسمائها تبركاً؛ فكان هذا شركاً صريحاً في توحيد الإلهية والعبادة والشكر؛ لأن شكر النعمة يجب أن يفرد به المنعم الخالق وحده دون سواه.
التنزيه بـ {فَتَعَالَى اللَّهُ}: صيغة تفاعل تدل على العلو الذاتي المطلق؛ فالله متعالٍ في ذاته وصفاته وأفعاله عن كل شريك وند يعبده المشركون.
تنوع القراءات بين {شُرَكَاءَ} و{شِرْكًا}: يعمق المعنى؛ فقراءة الجمع {شُرَكَاءَ} تركز على ذوات المعبودين من دون الله، وقراءة المصدر {شِرْكًا} تركز على الفعل نفسه وهو إيقاع المشاركة والنصيب لغير الله في الولد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
وجوب نسبة النعم إلى المنعم الحق: المسلم يحذر من الشرك الخفي في الأسباب؛ فلا ينسب شفاء المريض للطبيب استقلالاً، ولا حصول الرزق لذكائه، بل يشهد فضل الله أولاً وآخراً.
حماية الأبناء من الشرك والبدع: واجب الآباء تربية الذرية على التوحيد الخالص وتسميتهم بالأسماء الحسنة كعبد الله وعبد الرحمن، وتجنيبهم وساوس الوثنية والتقليد الأعمى.