تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 337)جامع البيانالطبري١٣/٣٣٧: يوضح الطبري أن الله تعالى يسقط كل هيبة موهومة لهذه الأصنام والآلهة الباطلة؛ فيقول للمشركين: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} أي مخلوقات مسخرة ومملوكة لله مثلكم، لا تملك لنفسها ولا لغيرها شيئاً؛ ثم تحداهم تحدياً تعجيزياً فاحماً: {فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ} إن نزل بكم ضر أو طلبتم منهم عوناً، {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} في زعمكم أنها تستحق العبادة وتملك النفع والضر.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 534)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٥٣٤: يبين ابن كثير أن وصفها بـ {عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} إن كان المعبود الملائكة أو الأنبياء أو الصالحين فالأمر ظاهر بأنهم عباد مكلفون مقهورون لله مثلكم؛ وإن كان المراد الأصنام والحجارة فوصفها بالعبودية بمعنى أنها مسخرة مذللة مدبرة بقضاء الله وقدره خاضعة لأمره التكويني كخضوع سائر الجمادات؛ بل أنتم أيها البشر أكمل منها لأنكم تسمعون وتبصرون وتتحركون وهي جمادات صماء؛ فكيف يعبد الأكمل ما هو أدنى منه؟
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 393)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٩٣: يذكر القرطبي أن الأمر في {فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ} أمر تعجيز وإظهار للفضيحة؛ كقوله تعالى: {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{عِبَادٌ}: جمع عبد، وهو المملوك المقهور المسخر لمولاه، مأخوذ من التعبيد وهو التذليل.
الإعراب والتركيب:
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب مشبه بالفعل.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل نصب اسم إن.
{تَدْعُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{مِن دُونِ}: متعلقان بمحذوف حال من مفعول تدعون المحذوف تقديره تدعونهم.
{اللَّهِ}: لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور.
{عِبَادٌ}: خبر إن مرفوع بالضمة الظاهرة.
{أَمْثَالُكُمْ}: نعت لـ (عباد) مرفوع بالضمة وهو مضاف والكاف مضاف إليه والميم للجمع.
{فَادْعُوهُمْ}: الفاء فصيحة، فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والهاء مفعول به والميم للجمع.
{فَلْيَسْتَجِيبُوا}: الفاء عاطفة لبيان الترتب، اللام لام الأمر الجازمة، (يستجيبوا) فعل مضارع مجزوم بحذف النون والواو فاعل.
{لَكُمْ}: متعلقان بـ (يستجيبوا).
{إِن}: حرف شرط جازم.
{كُنتُمْ}: فعل ماضٍ ناقص واسمه في محل جزم فعل الشرط.
{صَادِقِينَ}: خبر كنتم منصوب بالياء، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله تقديره: فادعوهم فليستجيبوا.
القراءات المتواترة:
قرأ سعيد بن جبير في غير المتواتر (عَبَّاداً أَمْثَالَكُمْ) بنصب النعتين والتشديد.
وأجمع القراء العشرة المتواترون على رفع {عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم الاستدلالي الصارم: إعلان المساواة في العبودية والمخلوقية: {عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ}؛ فإذا تساوت الذوات في المخلوقية بطل أن يكون أحدهما إلهاً للآخر؛ ثم إطلاق التحدي التعجيزي الميداني: {فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ}.
التذييل بالشرط التعجيزي: {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}؛ وهو إعلان صريح بكذب دعواهم وعجز معبوداتهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف تكون الحجارة والأصنام "أمثالنا" ونحن أحياء وهي جمادات لا حياة فيها؟
الدفع والمحاكمة العقلية:
المماثلة هنا في "المربوبية والمخلوقية والافتقار إلى الله"؛ فالأصنام وأنتم مشتركون في العبودية الكونية القهرية لله تعالى؛ فلا هي تملك خلق نفسها ولا أنتم؛ بل الآية تلزمهم بالبرهان الأدنى: إن كانت الحجارة مسخرة مثلكم فكيف تعبدونها؟ وإن كان معبودكم ملائكة وأولياء فهم بشر وعباد مثلكم يموتون ويحاسبون؛ فالمماثلة قاطعة لشرك التجسيم وشرك الوساطة معاً.