تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 301)جامع البيانالطبري١٣/٣٠١: يوضح الطبري أن الله تبارك وتعالى يقرر أصلاً عقدياً قاطعاً؛ فمن كتب الله عليه الضلالة في علمه السابق وقضى عليه بالخذلان لفساد قلبه وسوء اختياره، فلن يملك أحد في الأرض ولا في السماء أن يهديه إلى صراط مستقيم؛ {فَلَا هَادِيَ لَهُ}؛ ويتركهم الله ويتخلى عنهم في تمردهم واستكبارهم ومجاوزتهم للحدود {يَعْمَهُونَ} أي يتحيرون ويترددون ويتخبطون في ظلمات الضلال لا يبصرون رشداً.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 524)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٥٢٤: يذكر ابن كثير أن هذه الآية نظير قوله تعالى: {وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} [المائدة: 41]؛ فالقلوب كلها بيد مقلب القلوب، ولا هداية إلا لمن هداه الله ولا عصمة إلا لمن عصمه.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 374)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٧٤: يبين القرطبي أن العَمَه هو العمى في البصيرة والرأي والقلب؛ كما يقال: العَمَى في العين، والعَمَهُ في البصيرة؛ فهو أشد أنواع الحيرة والتردد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{يَذَرُهُمْ}: يذرهم يتركهم ويدعهم ولا يوفقهم.
{طُغْيَانِهِمْ}: الطغيان مجاوزة الحد والقدر في المعصية والاستكبار.
{يَعْمَهُونَ}: عَمِهَ يَعْمَهُ عَمَهاً، وهو التردد والتحير والاضطراب في الضلال بغير بصيرة.
الإعراب والتركيب:
{مَن}: اسم شرط جازم مبني في محل نصب مفعول به مقدم لـ (يضلل).
{يُضْلِلِ}: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بالسكون وحرك بالكسر للساكنين.
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{فَلَا}: الفاء رابطة لجواب الشرط، (لا) نافية للجنس تعمل عمل إن.
{هَادِيَ}: اسم لا مبني على الفتح في محل نصب.
{لَهُ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لا، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط.
{وَيَذَرُهُمْ}: الواو استئنافية (أو عاطفة على محل جواب الشرط)، فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر تقديره هو، والهاء مفعول به والميم للجمع.
{فِي طُغْيَانِهِمْ}: متعلقان بـ (يذرهم)، والهاء مضاف إليه.
{يَعْمَهُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل نصب حال من ضمير المفعول به في يذرهم.
القراءات المتواترة:
قرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف العاشر {وَيَذَرُهُمْ} بالياء المرفوعة استئنافاً.
وقرأ أبو عمرو ويعقوب {وَنَذَرُهُمْ} بالنون المرفوعة بنون العظمة.
وقرأ حمزة والكسائي في رواية وعاصم في بعض الوجوه بالجزم عطفاً على موضع جواب الشرط {وَيَذَرْهُمْ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص حسم رباني لموقف المعاندين؛ فبعد أن أقام عليهم الحجج في الآفاق والأنفس، وأمرهم بالتفكر، ونفى الجنون عن رسوله، بين أن امتناعهم عن الإيمان ليس لنقص في الحجة بل لأن الله خذلهم وأضلهم لعنادهم؛ فلا يملك النبي صلى الله عليه وسلم ولا غيره هدايتهم إذا سلبهم الله التوفيق.
الجمع بين الطغيان والعمه: فالطغيان عمل خارجي استكباري، والعمه تخبط باطني قلبي وحيرة نفسية؛ فاجتمع عليهم فساد الظاهر والباطن.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: إذا كان لا هادي لمن أضله الله، فما فائدة إرسال الرسل والدعوة إلى الإيمان؟
الدفع والمحاكمة العقلية والشرعية:
إرسال الرسل والبلاغ لإقامة الحجة وقطع المعذرة، ولتتحقق هداية من سبقت له الحسنى وتهيأت فطرته للحق؛ أما قضاء الله بإضلال المعاندين فهو قضاء عدلي مسبب؛ فالإنسان لا يعلم ما كتب له في الغيب، وهو مأمور بالنظر والاتباع؛ فإذا اختار الضلالة بإرادته خذله الله وعاقبه بسلب الهداية؛ فالشرط والجزاء في الآية مقرر للعدل الإلهي المطلق ولبيان أن التوفيق محض فضل والخذلان محض عدل.
النفي المطلق بـ {لَا هَادِيَ لَهُ} بنفي الجنس: يفيد قطع كل رجاء في هداية من خذله الله؛ فلا تنفعه براهين الكون ولا شفاعة الرسل إذا طبع الله على قلبه.
الحال في {يَعْمَهُونَ}: تصوير متحرك رائع لحالة التيه الفكري والحيرة الوجودية التي يتخبط فيها الملاحدة والضالون رغم تظاهرهم بالعلم والمدنية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تسلية قلب الداعية: إذا رأى الداعية إعراض بعض المستكبرين وإصرارهم على الباطل فلا يحزن ولا تذهب نفسه عليهم حسرات؛ فالهداية ليست بيده بل بيد الله الواحد القهار.
الخوف والافتقار إلى مثبت القلوب: لا يغتر المؤمن باستقامته، بل يسأل الله دوماً الثبات وحسن الخاتمة ويتعوذ بالله من العمه والضلال.