تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 188)جامع البيانالطبري١٣/١٨٨: ينقل الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي أن أهل القرية انقسموا عند وقوع المعصية إلى ثلاث فرق:
فرقة عاصية اعتدت واحتالت وصادت السمك يوم السبت.
فرقة صالحة ناهية أنكرت عليهم باللسان واليد ووعظتهم واعتزلتهم وحذرتهم عذاب الله.
فرقة ثالثة سلبية اعتزلت المعصية ولكنها لم تنكر على العاصين، بل أقبلت على الفرقة الناهية تلومها وتثبطها قائلة: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا}؟ أي ما فائدة الوعظ لقوم مردوا على النفاق وحق عليهم الهلاك؟
فأجابت الفرقة الناهية المصلحة بجوابين حكيمين:
الأول: {مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ} أي لنؤدي واجب البلاغ ونعذر أمام الله بأنا لم نسكت على المنكر.
الثاني: {وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي رجاء أن يثوب بعضهم إلى رشده فيتوب ويتقي عذاب الله.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 497)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٩٧: يوضح ابن كثير أن هذا الموقف يجسد وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فالداعية لا ينقطع عن الإنذار بدعوى يأس الناس من الهداية؛ لأن الغاية الأولى من الدعوة هي إسقاط التكليف وإبراء الذمة أمام الله، والغاية الثانية بقاء الأمل في يقظة القلوب.
تفسير الشنقيطي (أضواء البيان، ج 2، ص 343)أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآنالشنقيطي٢/٣٤٣: يبين الشنقيطي أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب عيني أو كفائي لا يسقطه غلبة الظن بعدم الاستجابة؛ لأن المصلحة تعود أولاً على الناهي بسلامته من العقاب الجماعي وإعذاره لربه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{مَعْذِرَةً}: العذر والمَعْذِرَة، رفع اللوم وبيان براءة الساحة والتمس الحق المقبول.
{تَعِظُونَ}: وعظ يعظ وعظاً وعِظَةً، وهو التذكير بما يرقق القلب من ثواب وعقاب.
الإعراب والتركيب:
{وَإِذْ}: ظرف زمان متعلق بـ (اذكر) محذوفاً.
{قَالَتْ}: فعل ماضٍ والتاء للتأنيث.
{أُمَّةٌ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{مِّنْهُمْ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف نعت لـ (أمة).
{لِمَ}: اللام حرف جر للتعليل، (ما) الاستفهامية حذفت ألفها لدخول حرف الجر عليها وبقيت الميم مفتوحة، والجار والمجرور متعلقان بـ (تعظون).
{تَعِظُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة مقول القول في محل نصب.
{قَوْمًا}: مفعول به منصوب بالفتحة.
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع بالضمة.
{مُهْلِكُهُمْ}: خبر المبتدأ مرفوع وهو مضاف والهاء مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب نعت لـ (قوماً).
{أَوْ}: حرف عطف للشك أو التقسيم.
{مُعَذِّبُهُمْ}: معطوف على مهلكهم مرفوع وهو مضاف والهاء مضاف إليه.
{عَذَابًا}: مفعول مطلق منصوب بالفتحة.
{شَدِيدًا}: نعت لعذاباً منصوب.
{قَالُوا}: فعل ماضٍ وفاعل (الفرقة الناهية).
{مَعْذِرَةً}: مفعول لأجله منصوب لفعل محذوف تقديره: موعظتنا معذرةً، أو مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره نعتذر معذرةً، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره هذه معذرةٌ لمن قرأ بالرفع.
{إِلَىٰ رَبِّكُمْ}: متعلقان بـ (معذرة)، والكاف مضاف إليه.
{وَلَعَلَّهُمْ}: الواو عاطفة، لعل حرف ترجٍّ ونصب والهاء اسمها.
وقرأ الباقون من القراء العشرة (نافع، ابن كثير، أبو عمرو، ابن عامر، شعبة عن عاصم، حمزة، الكسائي، أبو جعفر، يعقوب، خلف العاشر) {مَعْذِرَةٌ} بالرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف تقديره: موعظتنا معذرةٌ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم الحواري يبرز الفلسفة الدعوية في أوقات الأزمات الكبرى؛ فالفرقة السلبية المتثاقلة ترى العبثية في نصح العصاة المستكبرين، بينما الفرقة الإيجابية المؤمنة تنظر إلى ما وراء الحسابات الآنية؛ تنظر إلى واجب إبراء الذمة أمام الله وبقاء جذوة الأمل حية في النفوس.
التعبير بـ {إِلَىٰ رَبِّكُمْ}: تذكير للفرقة السلبية بأن الجميع سيقف بين يدي رب واحد يسأل كل عبد عما صنع في مواجهة المنكر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: هل يجوز ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا غلب على الظن أن الفاسقين لن يستجيبوا ولن يرتدعوا؟
الدفع والمحاكمة العقلية: تجيب هذه الآية إجابة قطعية حاسمة: لا يجوز السكوت؛ لأن النهي عن المنكر له مقصدان أساسيان:
إبراء ذمة الناهي أمام الله {مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ}؛ حتى لا يؤاخذ العبد بالسكوت والمداهنة وموافقة الباطل، ولتنجو الأمة من العقاب الجماعي العام.
إقامة الحجة على العصاة وإمكانية هداية بعضهم {وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}؛ فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، والداعية مأمور بالبلاغ وليس عليه هداهم.