تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 273)جامع البيانالطبري١٣/٢٧٣: يوضح ابن جرير عن ابن عباس ومجاهد وقتادة أن الله تعالى خلق وقدر لجهنم كثيراً من الثقلين من الجن والإنس في علمه السابق لعلمه بما هم فاعلون ومقترفون؛ ثم بين صفاتهم الموبقة التي استحقوا بها ذلك المصير:
{لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا}: أي عقول لا يفقهون بها آيات الله ولا يتدبرون بها مصائرهم.
{وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا}: بصر حسي ينظرون به إلى الآيات الكونية والمعجزات ولا يبصرون بها بصر اعتبار وهداية.
{وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا}: يسمعون أصوات الوحي والمواعظ سماع حجة صوتية ولا يسمعونها سماع قبول واستجابة وانقياد؛ فلما عطلوا وظائف هذه الحواس الشريفة صاروا كالبهائم السارحة التي لا تدرك إلا علفها وشهواتها الفانية؛ بل هم أضل من الأنعام سبيلاً؛ لأن البهائم تهتدي لمصالحها وتعرف بارئها وتسبحه، وهؤلاء خالفوا فطرتهم وأوردوا أنفسهم نار الجحيم.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 516)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٥١٦: يذكر ابن كثير أن الله قضى أزلاً بملء جهنم من الكفار بمقتضى عدله وحكمته؛ وأن تشبيههم بالأنعام ثم تفضيل الأنعام عليهم في الهداية برهان ساطع على خسارة العقل الإنساني حين يرتكس في الغفلة؛ فالأنعام لا تحاسب ولا تعذب وهي منقادة لصاحبها، وهؤلاء مكلفون سخروا نعم الله لمحاربة دينه فاستحقوا صفة الغفلة المطلقة.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 360)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٦٠: يبين القرطبي أن اللام في {لِجَهَنَّمَ} هي لام العاقبة والصيرورة، أو لام الحكمة في علمه الأزلي؛ أي خلقهم وصيرورتهم وعاقبتهم إلى النار بما كسبت أيديهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{ذَرَأْنَا}: الذَّرْءُ الخلق والإيجاد والإكثار من الشيء وبثه في الأرض.
{الْأَنْعَامِ}: الإبل والبقر والغنم، وسميت أنعاماً للين مشيتها وكثرة نعم الله فيها.
{الْغَافِلُونَ}: الساهون الذاهلون عن مصالحهم العظمى ومصيرهم الأبدي.
الإعراب والتركيب:
{وَلَقَدْ}: الواو استئنافية أو قسمية، اللام واقعة في جواب قسم محذوف، (قد) حرف تحقيق.
{ذَرَأْنَا}: فعل ماضٍ مبني على السكون و(نا) فاعل.
{لِجَهَنَّمَ}: جار ومجرور متعلقان بـ (ذرأنا)، وعلامة الجر الفتحة لمنعه من الصرف للعلمية والتأنيث.
الترتيب المحكم: لما تعطلت هذه الأدوات الثلاث مجتمعة عن وظيفتها الحقيقية، سقط الإنسان إلى رتبة الحيوانية {كَالْأَنْعَامِ}، ثم أضرب القرآن إضراباً تصاعدياً مذهلاً: {بَلْ هُمْ أَضَلُّ}؛ لأن الحيوان يهتدي بفطرته لما ينفعه ويفر مما يضره، بينما هؤلاء يسعون بأقدامهم إلى الجحيم وهم يعلمون!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا هم أضل من الأنعام، والأنعام لا عقول لها مكلفة كالإنسان؟
الدفع والمحاكمة العقلية الراسخة:
هم أضل من الأنعام من عدة وجوه عقلية وبديهية:
أن الله أعطاهم عقولاً وأسماعاً وأبصاراً شريفة مهيأة للترقي في أعلى درجات الكمال والكرامة، فعطلوها ونزلوا بأنفسهم إلى الحضيض؛ بينما الأنعام لم تُعطَ تلك الأدوات ولم تُكلف، فهي معذورة بخلافهم.
أن الأنعام تسير وراء راعيها وتعرف من يطعمها ويؤويها وتطيعه، وهؤلاء يعصون ربهم وخالقهم ورازقهم ويتمردون عليه.
أن الأنعام إذا دعتها غريزتها أقدمت، وإذا رأت النار أو الهلاك هربت وتراجعت؛ وهؤلاء يعلمون أن طريق الشرك يفضي إلى النار الأبدية ويسيرون فيه طائعين مسرورين؛ فكانوا أضل وأسفه من كل بهيمة عجماء.
التنكير في {قُلُوبٌ... أَعْيُنٌ... آذَانٌ}: للدلالة على أنهم يملكون الصورة العضوية المجردة لهذه الحواس ولكنهم فقدوا جوهرها وروحها؛ فكأنها ليست قلوباً ولا أعيناً ولا آذاناً في ميزان الحقيقة والاعتبار.
الحصر في الختام {أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}: قصر المبتدأ على الخبر بضمير الفصل وأل التعريف؛ أي هم الغافلون حقاً الذين استغرقوا في الغفلة حتى صارت هويتهم وصفهم الأوحد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
صيانة منافذ الإدراك والوعي: القلب والعين والأذن نعم عظيمة ومسؤولية كبرى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36]؛ فالمؤمن يحفظها ويسخرها في تدبر القرآن والاعتبار بالكون.
الخوف والوجل من قسوة القلب وموت البصيرة: أشنع عقوبة ينزلها الله بالعبد في الدنيا أن يسلبه نعمة التفكر والاعتبار حتى يصير كالبهيمة اللاهثة وراء شهواتها لا يدري ما يراد به غداً.